![]() |
| دكتور فضل الربيعي |
لم تكن حرب صيف 1994 مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين طرفين سياسيين، بل مثلت نقطة تحول خطيرة أعادت تشكيل الجنوب اليمني فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا تحت غطاء ديني وأيديولوجي ممنهج.
فما جرى لم يكن فقط إسقاطًا لشريك في الوحدة، بل عملية واسعة لإعادة صياغة المجتمع الجنوبي، وتجريف هويته المدنية، وإحلال ثقافة الخوف والتطرف محل قيم الدولة الحديثة.
صناعة “العدو” وتوظيف الدين سياسيًا
قبل اندلاع الحرب، عملت السلطة في صنعاء عبر أدواتها السياسية والدينية على إنتاج خطاب تعبوي يصور الجنوب — ممثلًا في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية — ككيان “ماركسي ملحد” خارج عن الدين والهوية العربية.
وبهذا الخطاب جرى شحن الرأي العام في الشمال نفسيًا ودينيًا ضد الجنوبيين، حتى تحولت الحرب لاحقًا إلى ما يشبه “الحرب المقدسة” تحت مسمى “حرب الردة والانفصال”، مستندة إلى فتاوى دينية صريحة شرعنت القتال والسيطرة والاستحواذ على الجنوب وثرواته.
لقد كان توظيف الدين في الصراع السياسي أخطر من الحرب نفسها، لأنه أسس لانقسام نفسي واجتماعي عميق ما تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.
تجريف الهوية المدنية للجنوب
بعد هزيمة الجنوب عسكريًا، بدأت مرحلة أكثر خطورة تمثلت في إعادة هندسة المجتمع الجنوبي فكريًا وثقافيًا.
فقد تمددت تيارات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، مستفيدة من الغطاء الديني والسياسي الذي وفرته السلطة.
أنشئت الجمعيات والمراكز الدعوية تحت لافتات العمل الخيري، لكنها مارست دورًا أيديولوجيًا هدفه تفكيك البنية المدنية التي عُرف بها الجنوب، والتشكيك في إرثه الثقافي والاجتماعي.
كما تحولت منابر المساجد من منصات لبناء الوعي والعمل والإصلاح إلى أدوات لبث الخوف والترهيب، عبر التركيز على ثقافة العذاب والموت والولاء الأعمى، بدلًا من قيم العلم والإنتاج والتسامح.
وفي الوقت نفسه، تعرض عشرات الآلاف من الكوادر الجنوبية المدنية والعسكرية للإقصاء والتسريح، الأمر الذي حطم البنية الإنتاجية للمجتمع، وأدخل الناس في دوامة الفقر والبطالة والاعتماد على شبكات النفوذ والمحسوبية.
اغتيال التعليم وتفخيخ الطفولة
امتدت عملية التغيير الأيديولوجي إلى التعليم، الذي كان يُعد من أبرز مكاسب الجنوب قبل الوحدة.
فتم تعديل المناهج بصورة ممنهجة، وإلغاء كثير من المواد الفنية والموسيقية والأنشطة التي تنمي شخصية الطفل ووعيه الجمالي والإنساني.
وفي المقابل، جرى تضخيم الخطاب الديني المؤدلج داخل المدارس، مع التركيز على مفاهيم القتال والتكفير وثقافة الموت، على حساب العلوم الحديثة والتفكير النقدي.
والنتيجة كانت نشوء جيل مثقل بالخوف والانغلاق، يعاني من العنف المدرسي والتسرب الدراسي وغياب الحلم، بعدما تمت مصادرة حقه الطبيعي في الإبداع والحياة.
إطفاء أنوار الفن والجمال
كان الفن أحد أبرز ضحايا مرحلة ما بعد 1994.
فقد أغلقت دور السينما والمسارح، وتحولت بعض المؤسسات الفنية إلى مساجد أو قاعات مناسبات، بينما تُركت أخرى للخراب والإهمال.
وتوقفت الحركة المسرحية والموسيقية التي كانت تمثل روح عدن والجنوب المدنية، وغابت الفرق الفنية ومسرح الطفل والأنشطة الثقافية التي شكلت لعقود جزءًا من هوية المجتمع الجنوبي المنفتح.
لقد جرى التعامل مع الفنون باعتبارها “محرّمات”، لا باعتبارها أدوات حضارية لبناء الوعي والإنسان.
المرأة الجنوبية… من شريك في الدولة إلى ضحية للوصاية
كانت المرأة الجنوبية من أكثر الفئات التي تعرضت للاستهداف بعد الحرب.
فبعد أن لعبت دورًا فاعلًا في القضاء والتعليم والعمل الدبلوماسي والعسكري، تعرضت لعملية إقصاء ممنهجة أعادتها إلى هامش الحياة العامة.
استخدم الخطاب الديني المحافظ لتقييد حضور المرأة، وتحويلها من شريك حقيقي في المجتمع إلى كائن محاصر بالوصاية الاجتماعية والفكرية.
كما استُخدمت أدوات دعوية وإعلامية لتكريس صورة المرأة باعتبارها “عورة” يجب تغييبها، بدلًا من الاعتراف بدورها في التنمية وصناعة المستقبل.
من تجريف الوعي إلى صناعة التطرف
النتيجة الأخطر لكل هذا المسار كانت دفع أعداد كبيرة من الشباب نحو التطرف والتنظيمات الجهادية.
فحين يُصادر الفن، ويُشوَّه التعليم، ويُقمع الفكر المدني، يصبح الفراغ بيئة مثالية لانتشار العنف والأفكار المتشددة.
وبدلًا من أن يتحول الشباب إلى قوة للبناء والعلم والاستقرار، جرى استخدامهم وقودًا لصراعات سياسية وأيديولوجية خدمت مشاريع السلطة والنفوذ.
رسالة إلى جيل الشباب
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد وعيه الحقيقي بذاته وتاريخه وقيمه الإنسانية.
واستعادة الجنوب لروحه المدنية لا تعني العداء للدين، بل تعني رفض استغلال الدين كأداة للهيمنة السياسية والتدمير الاجتماعي.
فالمجتمعات لا تُبنى بالخوف، ولا بالفتاوى التي تبرر الكراهية، بل تُبنى بالعلم، والعمل، والحرية، واحترام الإنسان، وتمكين المرأة، وإحياء الثقافة والفنون.
إن المستقبل لا يمكن أن يُصنع بعقول أسيرة للماضي والصراعات، بل بأجيال تؤمن بالحياة، وبحق الإنسان في الكرامة والمعرفة والسلام.
قراءة تحليلية مستوحاة من كتاب “الدين والسياسة” للدكتور فضل الربيعي والدكتورة أمل صالح.

تعليقات
إرسال تعليق