ميخائيل عوض / لبنان
ليست زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن حدثًا بروتوكوليًا، ولا محطة عابرة في مسار العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، بل هي لحظة كاشفة في زمن التحولات الكبرى. لحظة يُعاد فيها فرز الرابحين والخاسرين، وتُختبر فيها حدود القوة، وتتكشّف فيها أوهام الردع التي حكمت الشرق الأوسط لعقود.
في الظاهر، تبدو المنطقة وكأنها خرجت للتو من جولة تصعيد عسكري خطير على حافة الحرب الشاملة؛ تهديدات متبادلة، حشود عسكرية، تسريبات عن أسلحة نوعية، ومناورات إعلامية كثيفة. لكن في الباطن، جرت معركة من نوع آخر: معركة إرادات، واختبار توازنات، وقياس دقيق لما تبقّى من قدرة الولايات المتحدة على فرض الإيقاع، وما بقي لإسرائيل من أدوات الهيمنة والتأثير.
ما جرى لم يكن فشلًا عابرًا لنتنياهو، بل لحظة انكشاف استراتيجية. انكشاف لوظيفة إسرائيل في الحسابات الأميركية، وحدود قدرتها على جرّ واشنطن إلى حروب وجودية بالنيابة عنها. كما تكشف الحلقة كيف استطاعت إيران، عبر إدارة محسوبة للأزمة، تحويل التهديد إلى فرصة، وفرض معادلة ردع جديدة دفعت الولايات المتحدة إلى التبريد ثم العودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة.
نقرأ في هذه المشهدية كيف وجد دونالد ترامب نفسه محاصرًا بين منطق الصفقة ومنطق الحرب، فاختار التراجع التكتيكي بدل المغامرة الاستراتيجية، وكيف أدرك نتنياهو أن الحليف الأميركي لم يعد مستعدًا للدفع عن خسائره،
ماذا يفعل الخاسر حين تُغلق أمامه أبواب الحرب، ولا تُفتح له أبواب الصفقة؟
في عالم يتغير، لا تُكافأ المغامرات الفاشلة، ولا يُنقذ الخاسرون.
*أولا": الجولة على حافة الحرب: كيف انتصرت إيران وخسر نتنياهو؟*
لم تكن الجولة الأخيرة من التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد استعراض عضلات، ولا مجرد تهديدات متبادلة في الإعلام. ما جرى كان جولة اختبار على حافة الحرب، جرى فيها قياس الإرادات، وكشف حدود القوة، وفضح أوهام الردع. والنتيجة الأوضح: إيران خرجت رابحة، بينما وجد بنيامين نتنياهو نفسه الخاسر الأكبر.
التصعيد كان في جزء كبير منه حشدًا ذهنيًا وإعلاميًا، لا تمهيدًا لحرب شاملة. إيران تعاملت مع الأزمة كـ حرب وجودية محتملة: إنذار، استنفار، مناورة، وحشد حلفاء.
الرسالة الإيرانية كانت واضحة: أي اعتداء سيقابل برد شامل يطال المصالح الأميركية والأنغلوساكسونية.
هذا التوازن فرض على واشنطن التراجع خطوة، والعودة إلى مسار التفاوض وفق الشروط الإيرانية.
الجولة لم تكن حربًا، لكنها كشفت أن ميزان القوى الاستراتيجي لم يعد يسمح لواشنطن ولا لتل أبيب بفرض الإيقاع كما في السابق.
*ثانيًا: ترامب أمام المأزق: من التسخين إلى التبريد ثم التفاوض*
وجد ترامب نفسه أمام معضلة حقيقية فالتصعيد يعني حربًا لا يمكن ضبطها، والتراجع يعني الاعتراف بانكسار الردع. فاختار الطريق الثالثة التبريد ثم التفاوض.
ترامب ليس أيديولوجيًا، بل تاجر صفقات يحكمه منطق الربح والخسارة. وشروط التفاوض في مسقط لم تكن تفصيلًا تقنيًا، بل هزيمة سياسية مقنّعة لواشنطن. ما يعني أن قبول النقاش بمستوى التخصيب بدل مبدأ التخصيب اعتراف ضمني بحق إيران النووي والتفاوض على بند غير وارد أساسا" بموجب فتوى الخامنئي حول امتلاك السلاح النووي.
ترامب فقط يسعى إلى حفظ ماء الوجه داخليًا، لا إلى نصر استراتيجي خارجي.
هو لا يبحث عن حرب، بل عن صفقة تُنقذه من المأزق وتُسوّق كإنجاز، حتى لو كانت تنازلًا حقيقيًا.
*ثالثًا: نتنياهو: من وهم القوة إلى الهروب نحو واشنطن*
حين أدرك نتنياهو أن واشنطن بدأت تنزل عن الشجرة، وأن خيار الحرب على إيران يتبدد، لم يجد سوى الهروب إلى العاصمة الأميركية طلبًا للإنقاذ. وبعد خسر رهانه على توريط ترامب في حرب كبرى، وقد
فشلت كل أدواته في غزة، اليمن، الحرب البحرية، والتهديدات الكبرى.
فإسرائيل تملك قدرة على التخريب والتدمير، لكنها عاجزة عن الحسم أو بناء واقع جديد.
جاءت زيارة واشنطن محاولة أخيرة لجرّ أميركا إلى معركة لا تريدها.
نتنياهو في هذه الزيارة لا يبحث عن نصر، بل عن تأجيل السقوط، ولو على حساب إشعال ساحات بديلة.
*رابعًا: رسالة واشنطن الضمنية: ما الذي لم تستخدمه؟ إذن احترق وحدك*
إن السؤال الأميركي غير المعلن لنتنياهو سيكون بسيطًا وقاسيًا ماذا بقي لديك؟ فإذا كنت قد استخدمت كل شيء وفشلت، فلماذا نغامر معك؟
الولايات المتحدة باتت تتعامل مع إسرائيل كـ وظيفة استراتيجية لا كحليف وجودي.
والتاريخ مليء بالأمثلة: شاه إيران، أنطوان لحد، أفغانستان، فيتنام، التي تعطينا مؤشر أكيد أن الأداة حين تفشل أو تنجز مهمتها، يتم التخلي عنها بلا تردد. وبالطريقة نفسها ترامب مستعد لترك نتنياهو يحترق إن لم يقدّم قيمة مضافة.
الرسالة واضحة إذن فأميركا لا تنقذ الخاسرين، بل تستثمر في الرابحين فقط.
*خامسًا: ما بعد الهروب: إلى أين تتجه المنطقة؟*
زيارة نتنياهو إلى واشنطن ليست نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة أكثر خطورة. لأنها ستدفع نتنياهو إلى سؤال ترامب وما هو تعويض قبولي باتفاق مع إيران، ليكون العرض الأمريكي سخيا" من لبنان إلى سوريا والضفة والأردن والعراق وربما غيرها. احتمالات فتح ساحات بديلة، تصعيد بالوكالة بدل المواجهة المباشرة.
هي محاولة تعويض الخسارة الإيرانية بمكاسب جانبية.
لكن البيئة الاستراتيجية لم تعد تسمح بمغامرات بلا كلفة.
إذن المنطقة تقف على أعتاب تحولات كبرى: إما انفجار داخلي في إسرائيل، أو إعادة تموضع قسري في نظام إقليمي جديد.
ما جرى ليس حدثًا عابرًا، بل علامة فارقة في مسار الصراع.
إيران خرجت من الجولة أقوى سياسيًا، وواشنطن أكثر حذرًا، بينما يقف نتنياهو وحيدًا، مكشوفًا، يهرول بين العواصم بحثًا عن معجزة.
لكن في عالم تحكمه المصالح، المعجزات لا تُمنح للخاسرين.
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق