من حاملات الطائرات إلى قوس الصدمات " تفاهم سعودي حوثي عميق"

 


ميخائيل عوض  / لبنان 

في زمن الغليان وتهويل الحشود وشبح الحرب الوجودي، لا تُطلق التهديدات كي تُخيف بل كي تُقرأ جيدًا.

وحين يتحدث علي خامنئي عن إغراق حاملات طائرات، فهو لا يخاطب الشارع بقدر ما يخاطب غرف العمليات. وحين يرفع دونالد ترامب سقف الضغط، فهو لا يلوّح بالحرب بقدر ما يفاوض على حافة الهاوية. وبين هذين الخطابين، تقف المنطقة على حافة معادلة دقيقة: حرب لا يريدها أحد لكن الجميع يستعد لها.

الشرق الأوسط اليوم ليس مسرحًا لتبادل التصريحات، بل ساحة لإعادة رسم خرائط النفوذ. إيران لم تخرج من عواصف السنوات الأخيرة منهكة كما توقع خصومها، وإسرائيل ليست في وضع يسمح لها بحرب طويلة بلا حسم، والولايات المتحدة تعيش لحظة سياسية داخلية تجعل أي قرار عسكري مغامرة انتخابية بقدر ما هو قرار استراتيجي.

في الخلفية، يتحرك لاعبون صامتون: موسكو تراقب، بكين تحسب، الخليج يعيد التموضع، ولبنان يمشي على حافة الانهيار. كل طرف يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه لكن الزمن نفسه قد يكون الشرارة.

وسؤال: هل تقع الحرب ؟؟

يتحول تلقائيا إلى الأهم: من يملك القدرة على التحكم في لحظة اشتعالها ومن سيفقد السيطرة أولًا؟

هذه ليست مرحلة تصعيد عابر، بل مرحلة إعادة تشكيل توازن الردع في المنطقة. ومع كل خطاب ناري، وكل حاملة طائرات تتحرك، وكل طائرة تقلع في الليل، تتقدم المنطقة خطوة إضافية نحو اختبار تاريخي قد يعيد تعريف شكل الشرق الأوسط لعقد كامل قادم.

ما يجعل اختزال التحليل بالاعتماد على عناوين الخبر العاجل فخ قاتل والعالم على حافة تحوّل استراتيجي. 

*أولاً: هل نحن أمام تهدئة تكتيكية… أم حرب وجودية مؤجلة؟* 

إن الحسم وإغلاق الأقواس على تحليل واحد خطأ كبير في زمن العصف والغليان، وما نعيشه اليوم من حالة اللايقين تدفع الباحث إلى القراءة والاستنتاج وفق مؤشرات ومعطيات اللحظة والتي قد تتغير جذريا بتغير الوقائع وبالتالي فإن الحرب مسألة حتمية ولكن وفق المؤشرات الحالية وفي الزمن المتاح للتحليل الواضح أن الأمور تتجه للتهدئة والتبريد. وأما إلى متى؟ 

إلى موعد الانتخابات النصفية في أمريكا. فقد يقرر ترامب الذي يبدو أنه لن يقبل فكرة خسارة الانتخابات قد يقرر إشعال الحرب مع إيران لإعلان حالة الطوارئ والحرب واستدعاء الجيش وبالتالي يبقى قابضا" على الكرسي الرئاسي. 

وبناء عليه فالسيناريوهات المحتملة:

1-  تهدئة تكتيكية حتى تشرين

اتفاق مرحلي – تجميد – إعادة تموضع ومن ثم ضربة تنقذ ترامب .

2- ضربة محدودة محسوبة

استعراض قوة دون حرب شاملة ولكن إيران قالت برفض هذا السيناريو.

3- مغامرة إسرائيلية تجر واشنطن إلى مواجهة وهو سيناريو عالي المخاطر.

4-  حرب شاملة وهو السيناريو العاصف والأكثر تدميرًا. 

*ثانياً: كلام علي خامنئي التحول النوعي… عندما يتحول التهديد إلى عقيدة قرار ومصدر إرباك لخطة الخصم* 

  إن التطور الأهم والحد اللاجم لهوبرات ترامب هو الخطاب النوعي للخامنئي الذي أعلن وعلى الملأ أن الحقوق الإيرانية لا تفاوض عليها، وهدد وبلهجة صريحة بتوجيه ضربة كاسرة للجيش الأقوى إن حاملات الطائرات “قد يبتلعها البحر”، فالمسألة ليست تعبئة عاطفية أو رفع للمعنويات ففي البنية الدستورية الإيرانية، موقع المرشد ليس سياسيًا عاديًا، بل هو رأس هرم القرار العسكري – الأمني – الاستراتيجي. وعلى صعيد التمثيل العقائدي يشكل الخامنئي مرجعية لكتلة ممتدة وضخمة من الولائيين لولاية الفقيه. 

فإن خصائص خطاب خامنئي تاريخيًا والذي تميز بالمصداقية والحكمة والشجاعه فهو يهدد بلا قدرة، لا يعلن سقفًا لا يستطيع تنفيذه، كما لا يضع الدولة أمام اختبار لا تملك أدواته، ولا يهدد بما لا ليس قادرا على فعله. وبالتالي فإن

كلمته في هذه اللحظة تحمل ثلاث دلالات خطيرة:

- الردع ليس نظريًا بل عمليًا.

- إيران تعتبر المواجهة – إن حصلت – حرب وجود.

- القرار العسكري جاهز، وليس رهينة مفاوضات جنيف. 

إن كلام الخامنئي هو الدليل أن إيران استعدت وقررت ففي العقيدة الإيرانية، حين يُصاغ التهديد بهذه اللغة، فهو أقرب إلى “إعلان نفير وجهوزية استعداد” منه إلى “تحذير”. 

*ثالثًا: عقلية دونالد ترامب – بين الصفقات وشبح الزمن الانتخابي* 

ترامب ليس رئيس حرب تقليدي بل 

هو رئيس “ضغط أقصى” يستخدم الحشود العسكرية كورقة تفاوض وتهويل،  والتهديد الإعلامي لرفع السقف 

والتصعيد لتعديل موازين الصفقة.

لكن مشكلته  اليوم أن إيران نموذج من خارج النص هي أمة عنيدة متجذرة أصيلة تفاوض لكنها لا تقبل إملاءات وهذا يجعل حسابات دوائر القرار في أمريكا أكثر تعقيدا". ويضاف لذلك التأزم المتصاعد في الداخل الأمريكي والذي قد يتحول إلى حرب أهلية. والغضب الشعبي من إجراءات ترامب التي تنفذها شرطة المهاجرين مما يضع احتمال التصادم بين الجيش والشعب احتمالا" قائما". 

والأهم شبح الانتخابات النصفية في تشرين والذي تشير الاستطلاعات إلى خسارة تبدو حتمية لترامب.

متزامن مع صراع ترامب مع حكومة الشركات “الدولة العميقة” و الأزمات قانونية والسياسية المتراكمة خاصة مع تسريبات وفضائح إبستين. 

أما المشهد من الخارج فهو أكثر إرباكا" لترامب خاصة أن إيران لم تسقط بحرب ال12 يوم بل تماسكت ولم يستطع أخذها من الداخل حين استثمر في تظاهرات تجار البازار ولم يتمكن من إسقاط النظام بالضربة القاضية كما يواجه خياره باستراتيجية قطع الرأس الذي اعتاد أن يفعله فيتو روسي صريح فيما يتعلق باغتيال الخامنئي.

إضافة إلى تقدم روسيا في إنجازها العسكري في أوكرانيا واستشعارها خطر القبول بسقوط إيران. و أما

الصين فهي تتقدم بثبات في دعمها لإيران وفي مشروعها الاقتصادي. 

والخليج لم يعد أداة طيّعة بل إن حكوماته ولمصلحتهم الشخصية وخوفا" من ارتدادات أي عمل عسكري ضد إيران على الإقليم جعلها ولأول مرة تعلن موقف رفض واضح لاستخدام أراضيها في أي عمل عسكري. 

هنا في ظل كل هذه التعقيدات يصبح السؤال هل يلجأ ترامب إلى حرب خارجية لإنقاذ موقعه الداخلي؟

السوابق الأمريكية تقول: نعم ممكن.

أما المنطق العسكري يقول: المغامرة مع إيران ليست كالعراق أو ليبيا. 

*رابعًا: نتنياهو… الرجل الذي يعيش على حافة الحرب*

إن نتنياهو يختلف عن ترامب في نقطة مركزية

هو بحاجة للحرب للبقاء سياسيًا. في حين يمتلك ترامب مسارح وخيارات يمكنه اللعب عليها خاصة وأن نتنياهو في موقف عدم الإنجاز فحرب غزة بلا حسم. والضفة قابلة للاشتعال، أزمة ثقة داخلية،

ملفات قضائية.

نتنياهو قد يرى في ضرب إيران

فرصة لإعادة توحيد الداخل، 

ونقل المعركة إلى مستوى أكبر، وبالتالي فرض وقائع قبل أي انتخابات. لكن هل يستطيع التحرك دون مظلة أمريكية كاملة؟ من الناحية العسكرية هذا صعب جدًا. أما وفق ما يتعرض له سياسيًا قضائيًا قد يرتكب الحماقة ويجر واشنطن قسرًا. 

*خامسًا: التحشيد العسكري للانقضاص على من يضعف وليس بالضرورة ضد إيران*

فهي  نقطة بالغة الأهمية في قراءة من خارج الصندوق لتحشيد ترامب العسكري في المنطقة  إن هذه الحشود التي ينظر دائمآ أنها موجهة لعمل عسكري ضد إيران هي في حقيقة الأمر ووفق منطق ترامب  تحمل مؤشرات ودلالات واسعة الطيف.

تشكل فرصة لاستثمار ترامب في مخططاته لإعادة هيكلة الجيش وطرائقه وتموضعاته خاصة بالربط مع الانسحاب من التنف في البادية السورية وتركز القوة في مطار المزة العسكري و T4 وقاعدة موفق السلط في الأردن توزيع عناصر القوة هذا يشير أن ترامب بحاجة إلى حشد لملأ الفراغ في المنطقة تخوفا من ملأ خصومه وبالتحديد الصين وروسيا أي فراغ محتمل. 

إن هذه الحشود قد يقصد بها تهديد أطراف أخرى مثل الباكستان التي يسعى لإخضاعها أو الهند التي وجهت له صفعة قوية بشراكة السوق الحرة مع أوروبا، كما قد تكون هذه الحشود مستعدة للانقضاض على أي جبهة تضعف أو تشتعل بحدث نوعي في السودان أو الصومال أو سوريا أو المغرب أو شمال أفريقيا.

وربما قد تكون موجهة لإشغال حكومة الشركات في أمريكا بشأن التحشيد والتكلفة والدعاية بينما ينشغل هو بتصفية وجودها.

وربما لمحمد بن سلمان الذي تزداد مواقفه خروجا" عن العباءة الأمريكية.

*سادسًا: محمد بن سلمان ازعاج لن يقبله ترامب والمواجهة بالأجير الإماراتي*  

إن ابن سلمان الذي فهم لعبة المصالح واصطفافاتها الآمنة بات يزعج ترامب من تحالفه مع باكستان وموقفه من إيران، ورفضه أن تكون السعودية منصة لأي عمل عسكري ضد إيران، ويضاف لذلك تحالفه الوثيق مع الحوثي في مواجهة مشروع المجلس الانتقالي الأمريكي الإسرائيلي 

والذي أدى إلى اصطدامه المباشر مع الإمارات رغم تحذيرات ترامب ومستشاريه، وبهذا التحالف الوثيق قاد ابن سلمان وأسقط قوس التمدد الإسرائيلي. 

*سابعًا: قوس الصدمات – من الجزائر إلى طهران* 

ما يجري ليس فقط مواجهة أمريكية–إيرانية بل هناك قوس تتشكل تدريجيًا تمتد من طهران إلى الجزائر ومع الحساسية المصرية إزاء الاشتباك السعودي الإماراتي إلا أن مصر تدرك أن مصلحتها بالانتظام في هذا القوس المتشكل والذي قد يمتد ليصبح ناتو إسلامي خاصة مع 

تحولات في باكستان والهند.

إذا تبلور تحالف إقليمي عابر للطوائف والمصالح المؤقتة، فإن ميزان القوى يتغير جذريًا. 

*ثامنًا: مضيق هرمز… سلاح أم مقامرة؟* 

إن الإيراني عاقل ولن يلجأ لإغلاق المضيق بالكامل لأن هذا يعني

شلّ 20% من إمدادات الطاقة العالمية، حصار الصين والهند.

رفع أسعار النفط إلى مستويات انفجارية وإلحاق ضرر مباشر بإيران نفسها.

لذلك السيناريو الواقعي ليس “إغلاق شامل”، بل إغلاق انتقائي، استهداف سفن الدول المشاركة بالحرب،رفع كلفة التأمين البحري ،تهديد دائم للملاحة العسكرية. وهذا تمامآ السيناريو الذي استخدمه الحوثي في الإسناد. 

*تاسعًا: هل تستطيع إيران تدمير إسرائيل؟* 

التقدير العسكري البارد يقول

إيران تمتلك صواريخ بعيدة المدى،أثبتت قدرتها على اختراق منظومات دفاعية.

تملك أدوات عبر حلفائها. والأهم ما صرح به ترامب من أنه أنقذ إسرائيل من أن تدمرها إيران فهو يقر  بأن القدرة موجودة. وهذا يعني أنها قادرة فعلآ. 


نحن أمام إعادة صياغة توازنات العالم.إيران لم تعد قابلة للكسر السريع، الخليج لم يعد منصة حرب تلقائية.

وأمريكا ليست في لحظة فائض قوة مطلق، وإسرائيل ليست في طور انهيارها بالإضافة ان ترامب ونتنياهو يعيشان آخر زمنهما ويتسارع. 

الحرب ممكنة لكنها لم تعد “خيارًا سهلًا”.

🖋 ميخائيل عوض

تعليقات