الحريرية في زمن المخاض .. الحريري يبدل الراية ويعود بنسخة إماراتية تجريبية الحريري في لبنان ولعت بين بن زايد وبن سلمان ..!!

 


ميخائيل عوض / لبنان 

  في مشهد عودة  سعد الحريري التي سماها "زيارة" ليس بوصفه حدثاً انتخابياً عادياً، بل وضعه في سياق أوسع سياق أزمة الكيان اللبناني نفسه وسياق شيخوخة النظام العالمي وتغيير منظومة التحالفات وتبديل مراكز إصدار التعليمات.

هل يعود الحريري ؟؟

بل كان :هل ما زال هناك نظام لبناني قابل لأن تُعاد فيه الزعامات؟ وما هي هوية الحريرية الجديدة إن عادت؟

الحريري لم يطرح برنامجاً جديداً؛ بل أعاد تدوير العناوين الطائف، حصرية السلاح، لبنان أولاً، الدولة، الهدنة. وهو ما رآه خطاب تعبوي كلاسيكي مكرر يعيد إنتاج الشرعية عبر الحشد الوجداني لتعويض الفقدان المؤسسي.

وما يراه  السؤال الاستراتيجي ليس: ماذا قال؟ بل: من سمح له أن يقول؟ ومن منعه سابقاً؟ 

*ثانيًا: التوازنات الثلاثية – انهيار الصيغة أم تبدّل مركز الثقل؟* 

لبنان منذ تأسيسه بعد اتفاقية سايكس بيكو قام على ثلاثية سياسية غير مكتوبة المارونية السياسية،السنية السياسية،

الشيعية السياسية.

والتحولات الكبرى كانت دائماً انتقالاً للثقل بين هذه الأضلاع.

وما حصل أن المارونية السياسية فقدت هيمنتها بعد الحرب الأهلية.السنية السياسية صعدت مع رفيق الحريري.

الشيعية السياسية تثبّتت بعد 2006 بقوة المقاومة وصعدت في حالة انهيار المنظومة وقدمت كل التضحيات لإنقاذها وتنكر الجميع للثنائي بعد ذلك.

وفي هذا السياق يرى خروج الحريري من المشهد أحدث خللاً بنيوياً تجلى بغياب رأس السنية السياسية مما أربك المنظومة كلها.

لكن هل عودته تعني استعادة التوازن؟ أم مجرد محاولة إنعاش لنظام تجاوزته التحولات؟ 

إن الحريرية السياسية نموذج قد تجاوزه الزمن بعد أن فقدت وزنها النوعي. 

*ثالثاً: الخطاب بين الإيحاء والتصريح: لا انتخابات* 

إن حصلت الانتخابات" ليست  عابرة،بل هي مؤشر على أحد احتمالين:

إما وجود معطيات داخلية أو إقليمية توحي بإمكانية التأجيل وربما عدم حصول الانتخابات.

أو أن الاستحقاق أصبح رهينة تسويات أكبر من لبنان.

في الحالتين، نحن أمام مشهد لا يُبنى على قواعد دستورية صلبة، بل على ميزان قوى متحرك. 

*رابعاً: الصراع السعودي الإماراتي كمتغيّر مفصلي* 

إن عودة الحريري – إن حصلت – قد تكون مرتبطة بإعادة تموضع إقليمي  يبدو أن الحريري قد بدل الراية فمنذ 2017، بدا أن الرياض أعادت تقييم دور الحريرية في لبنان ويبدو أن قرارها بإنهاء الدور السياسي للحريرية السنية هو قرار لا رجعة عنه.

السعودية قررت إنهاء نموذج "الوكيل التقليدي".والتسريبات المتكررة عن أن الرياض أنفقت عشرات المليارات في لبنان بلا عائد سياسي شكلت خلفية القرار.

وهذا يضعنا أمام فرضية خطيرة في الطرح أن العودة اليوم ليست باستعادة الغطاء السعودي بل بالتمرد عليه وإذا كانت بتمرد، فذلك يفتح الباب أمام سيناريو أخطر صراع سعودي – إماراتي داخل الساحة اللبنانية، خاصة مع صعود نفوذ محمد بن زايد إقليمياً. لبنان عندها يتحول إلى مسرح إضافي في الاشتباك بين المحمدين.

هنا يتحول السؤال من: هل يعود الحريري؟ إلى: من يُعيده؟ ولماذا الآن؟

لو صحت فرضية أن الحريرية انتقلت لتكون وكيل الإمارات لا السعودية فهذا سيكون قرار أحمق ونتائجه كارثية على لبنان لأنه قد يتحول إلى مساحة نفوذ رمزية ضمن صراع أوسع على تموضع النفوذ العربي في مرحلة ما بعد مشروع ترامب-براك التفكيكي ومشروع نتنياهو بإسرائيل الكبرى. وكذلك على التيار وحاضنته لأنه لن يقبل بأي حال هذا الانقلاب لا مجرد التحول. 

*خامسًا: البعد السوري – هل مركز السنية ينتقل شرقاً؟* 

كان لافتًا موقف الحريري من السلطة الانتقالية في سوريا وإشادته بدورها وبموقع سوريا بعد ما سماه التحرير، ما يطرح سؤال هل الحريري يحاول تثبيت نفسه ممثلاً مركزياً للسنة اللبنانيين، أم أنه إقرار بأن مركز الثقل السني الإقليمي يتحرك نحو دمشق وذلك في موقف واحتمال أنه وإن كان في عودته إعلان تمرد على ابن سلمان فهو لن يصعد لدرجة تدفع ابن سلمان لضرب يده على الطاولة ليجهض أي عودة محتملة لتيار الحريري في المشهد السياسي.

إذا تقاطعت حسابات تركيا، السعودية و الامارات فإن لبنان لن يكون سوى ورقة صراع وضغط ضمن إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة والإقليم. 

*سادساً: مسؤولية الحريرية – سؤال لا يمكن الهروب منه* 

منذ منتصف الثمانينيات وحتى 2022، كانت الحريرية السياسية في قلب القرار من 

ملف الإعمار إلى الخصخصة

والديون،  وإدارة الدولة،

وكذلك الانهيار المالي الذي لم يسقط من السماء.

وعناوين الكهرباء، المصارف، الدين العام، الودائع… كلها ملفات تشكلت في زمن الحريرية. لذلك  إن أي خطاب يتنصل من المسؤولية يواجه بسؤال قاسٍ

كيف يُطلب التصديق ممن دفعوا الثمن؟ وكيف يطلب أن يصدقه الآخرون من كان شريكًا في الإضرار بهم؟ خاصة أن  الحريرية اعتمدت منذ التسعينيات نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستدانة و

الريع العقاري والمصرفي

واقتصاد الخدمات.

وقد ارتبط هذا النموذج باسم رفيق الحريري بوصفه مهندس إعادة الإعمار. غير أن هذا النموذج راكم الدين العام

وأضعف الإنتاجية وعزز التبعية المالية.

وعليه، فإن أي عودة سياسية تستدعي مراجعة نقدية لهذا الإرث.

*سابعاً: لبنان داخل مخاض عالمي* 

تعيش المنظومة الدولية مرحلة انتقالية من تراجع الهيمنة الأحادية وصعود قوى آسيوية، إضافة إلى إعادة تعريف التحالفات، وهنا الدول الهشة — ومنها لبنان — تتأثر بشدة في المراحل الانتقالية، حيث تضعف الضمانات الخارجية قبل تشكل نظام بديل مستقر.

ولذلك وأوسع من النقاش اللبناني، ينتقل التحليل إلى فكرة أكبر العالم يعيش مخاض نهاية نظام أنجلوساكسوني مهيمن. الظاهرة لا تخص لبنان وحده نحن أمام عالم قديم يحتضر دون أن يولد عالم جديد واضح المعالم.

ومع تعسر ولادة الجديد أو محاولة إجهاضه يجري إعادة تدوير القيادات المحروقة كظاهرة إقليمية في العراق

في سوريا وربما في ليبيا وفي هذه المرحلة الانتقالية من إعادة تدوير الزعامات واستحضار وجوه من الماضي محاولة إحياء صيغ مستهلكة.

ولبنان ليس استثناءً، بل نموذجاً مكبّراً في مساحته الصغرى لأزمة عالمية. ففي لحظات المخاض التاريخي، تعود النخب إلى دفاترها القديمة.

لكن إحياء الموتى ليس قراراً سياسياً. 

*سابعًا: سيناريوهات مستقبلية* 

السيناريوهات الممكنة التي تطرحها الحلقة هي إما:

- عودة مشروطة برضا سعودي وبالتالي إعادة تعويم محدودة للتيار الحريري.

- عودة بدعم إماراتي وهذا يعني حتما صراع خليجي على الأرض اللبنانية

- فشل العودة ومع فراغ البديل  نهاية السنية السياسية التقليدية في لبنان وانتقال مركز ثقلها لسوريا بصورتها الانتقالية.

- تعطيل الانتخابات ما قد يهدد بانزلاق نحو انفجار اجتماعي.

لبنان اليوم ليس أمام معركة زعامة، بل أمام سؤال وجودي

هل يُعاد تدوير الصيغة حتى تتفكك؟ أم يولد عقد سياسي جديد قبل الانفجار؟ أم هل تنفجر الصيغة على نفسها دفعة واحدة؟

حتى اللحظة، يبدو أن البلاد تعيش بين زمنين زمن يحتضر وزمن لم يولد بعد، وفي الفراغ بينهما، تتحرك الأشباح السياسية. 

*ثامناً: من ينقذ لبنان؟* 

المعادلة الحالية التي يعيشها لبنان هي واقع  دولة عاجزة تخلت عن مسؤولياتها وتحولت إلى سلطة أفراد فوق القانون،

جيش محدود الإمكانات ومحاصر في إمكانياته، مقاومة  في موقع إعادة تموضع بصمت وترقب. وطبقة سياسية فاقدة للثقة

وفي ضوء هذه المعطيات فالإنقاذ يحتاج إلى إرادة وطنية عابرة للطوائف، دولة تحمي  السيادة، مشروع اقتصادي إنتاجي لا ريعي، والقبول بضرورة وجود وشرعية مقاومة قادرة على الردع.

لكن المؤشرات الحالية لا توحي بولادة مشروع جامع بل ربما لبنان بانتظار رمية من رميات الله تغير الوقائع. 

في المحصلة، لا يمكن قراءة مشهد عودة سعد الحريري باعتباره مجرد حدث انتخابي أو استعادة رمزية لزعامة مفقودة. نحن أمام تقاطع ثلاث أزمات في آنٍ واحد:

- أزمة صيغة لبنانية تتآكل منذ عقود ولم تعد قادرة على إنتاج توازن مستقر.

- أزمة إقليم يعاد تشكيله على وقع صراعات خليجية–تركية–إسرائيلية مفتوحة.

- أزمة نظام عالمي شيخ يعيد تدوير أدواته القديمة لأنه عاجز عن ولادة بديل واضح. 

الحريرية السياسية ليست خارج هذا السياق، بل جزء منه. عودتها – إن استقرت – لن تعني إحياء نموذج التسعينيات، لأن البيئة التي صنعته لم تعد موجودة فالمال الخليجي لم يعد بلا شروط، الشارع السني لم يعد متماسكاً كما كان، والاقتصاد الريعي الذي حمل التجربة انهار.

أما إذا كانت العودة اختباراً أو مناورة ضمن اشتباك سعودي–إماراتي، فإن لبنان يتحول مجدداً إلى ساحة تصفية حسابات لا إلى ساحة استقرار.

التاريخ السياسي اللبناني قام على إدارة التوازنات لا حلّها، وعلى تأجيل الانفجارات لا منعها. لكن في لحظات الانهيار البنيوي، لا تنجح تقنيات التأجيل. إذ عندما تتراكم الأزمات المالية والاجتماعية والسيادية في آنٍ واحد، يصبح الخطر وجودياً لا سياسياً فقط.

من هنا، فإن إنقاذ لبنان – إن كان ممكناً – لن يأتي من إعادة تدوير الزعامات، ولا من استحضار شعارات الطائف أو حصرية السلاح بمعزل عن إعادة بناء الدولة نفسها. بل الإنقاذ يفترض عقداً سياسياً جديداً لا تجديداً للعقد القديم،

اقتصاداً إنتاجياً لا استمراراً للريعية، تعريفاً واقعياً للسيادة لا خطاباً أخلاقياً عنها،

إرادة وطنية تتقدم على ارتهانات الخارج.

وحتى الآن، لا تتوافر مؤشرات كافية على ولادة هذا المسار. وما نراه هو محاولة إحياء التوازنات الثلاثية في لحظة لم يعد فيها أي ضلع قادراً على حمل الدولة بمفرده.

لبنان يقف إذاً عند عتبة مفصل تاريخي إما أن يُعاد تدوير النظام حتى يتفكك بالكامل،

وإما أن يولد من داخله وعي جديد يفرض إعادة تأسيس حقيقية.

بين هذين الاحتمالين، تبقى البلاد معلّقة في فراغٍ ثقيل،

فراغٍ لا يملؤه الحشد، ولا الخطاب، ولا الحنين إلى زمنٍ مضى،بل تملؤه فقط القدرة على الاعتراف بأن ما انتهى قد انتهى، وأن المستقبل لا يُستعاد، بل يُصنع. 

🖋 ميخائيل عوض

تعليقات