ميخائيل عوض / لبنان
في لحظة دولية شديدة السيولة، تعود كوبا إلى واجهة المشهد الجيوسياسي. جزيرة صغيرة لا تبعد أكثر من 90 ميلاً عن سواحل فلوريدا، لكنها تحمل إرث أزمة كادت عام 1962 أن تدفع العالم إلى حافة الفناء النووي. اليوم، ومع تصاعد التحشيد العسكري الأمريكي وتحريك حاملة الطائرات “جيرالد فورد”، يتجدد السؤال: هل نحن أمام استعراض قوة تفاوضي، أم أمام إعادة صياغة لمعادلة الهيمنة في الخاصرة الأمريكية والشرق؟
في هذه القراءة مقاربة تتجاوز القراءة السطحية للأحداث، وتضع كوبا في قلب صراع أوسع بين إرث مبدأ مونرو القديم ونسخته المعاصرة في عهد دونالد ترامب.
*أولاً: التحشيد بين الردع والتفاوض*
التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق تفاوضي أوسع. فإن رفع السقف الناري، والتلويح باستخدام أدوات ردع ثقيلة، قد يكون جزءاً من سياسة الضغط لتحسين شروط التفاوض، سواء في الملف الإيراني أو في ملفات أخرى متشابكة.
لكن القراءة الأعمق تذهب أبعد من ذلك فاستعراض القوة لا يُوجَّه دائماً إلى الخصم المباشر بل أحياناً يكون الهدف رفع كلفة أي تدخل محتمل من أطراف أخرى، كروسيا أو الصين، في الساحة الكاريبية. بمعنى آخر، الرسالة ليست فقط إلى طهران، بل إلى بكين وموسكو الكاريبي مجال نفوذ أمريكي غير قابل لإعادة التفاوض.
*ثانياً: التحشيد: ثلاثة سيناريوهات مفتوحة*
يضعنا التحليل أمام ثلاثة احتمالات رئيسية:
1- *استعراض تفاوضي:* التحشيد مجرد أداة ضغط ضمن ملفات أوسع، دون نية فعلية للتصعيد.
2- *مناورة متعددة الجبهات:* إشغال الرأي العام وتحريك الساحات لتغطية تحركات نوعية في مكان آخر.
3- *مغامرة غير محسوبة:* قرار تصعيدي قد يفتح مساراً يصعب ضبطه، مع مخاطر ارتداد داخلية وخارجية.
حتى اللحظة، لا توجد معطيات حاسمة لترجيح أحد السيناريوهات بشكل قاطع، ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة ترقب دقيق.
*ثالثًا: كوبا… بين إرث الصمود ومعادلات الواقع*
كوبا ليست دولة عادية في الحسابات الأمريكية. هي نموذج تحدّى الحصار أكثر من ستة عقود، ونجح في البقاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في ظل ظروف اقتصادية قاسية للغاية.
ولديها اليوم الكثير من عناصر قوتها التقليدية نسبة تعليم مرتفعة جداً، خبرات طبية وتكنولوجية تُعد من أبرز صادراتها، إضافة إلى تاريخ سياسي رمزي يعزز هوية وطنية مقاومة.
لكن بالمقابل، هناك معطيات واقعية لا يمكن تجاهلها وهي اقتصاد معطوب بفعل الحصار الطويل.
اعتماد كبير على واردات الطاقة هذا الدعم الذي يعاني اليوم
انقطاع أو تراجع الدعم من حلفاء سابقين مثل فنزويلا.
وكذلك ضغوط بنيوية قد تُنتج اختراقات أو فساداً داخلياً مع مرور الزمن.
الرهان، لا يكون فقط على الصواريخ أو الأساطيل، بل على تماسك الجبهة الداخلية. فسقوط الأنظمة غالباً لا يأتي من الاجتياح، بل من التفكك البطيء.
*رابعًا: أمريكا التي تشتري الحروب هل وجدت البائع في كوبا؟*
أحد المفاهيم المثيرة التي طُرحت هو أن الولايات المتحدة لا تنتصر عبر الحروب التقليدية، بل عبر إدارة النتائج، أو عبر “شراء” الحروب باستثمارات مواتية من الداخل بعد انهاكه بالحصار واختراقه في العصب.
في هذا السياق، يُطرح احتمال أن يكون السيناريو المرجّح في كوبا ليس اجتياحاً عسكرياً مباشراً، بل عملية سياسية – أمنية – اقتصادية مركّبة تستهدف خلق بيئة تؤدي إلى تغيير داخلي تدريجي، كما حدث في نماذج أخرى بأمريكا اللاتينية.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً هل البيئة الكوبية الحالية قابلة لمثل هذا السيناريو؟ أم أن إرث “خيار الصفر” الذي اعتمدته القيادة الكوبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ما زال قادراً على إعادة إنتاج الصمود؟
*خامسًا: روسيا والصين… الحياد أم الحسابات الباردة؟*
إن المشهد الدولي اليوم يختلف جذرياً عن ستينيات القرن الماضي. لا وجود لتحالف عقائدي صلب كالذي مثّله الاتحاد السوفيتي. روسيا تتحرك وفق حسابات مصلحية دقيقة، والصين تنظر إلى كل ساحة عبر ميزان الكلفة والعائد.
بالتالي، الرهان الكوبي – إن وُجد – على تدخل مباشر من قوى كبرى، يبدو أكثر تعقيداً من السابق. أي انخراط روسي أو صيني في الكاريبي سيُقرأ كتصعيد مباشر ضد الأمن القومي الأمريكي، ما يرفع احتمالات الاحتكاك الدولي.
*سادسًا: هل ينتحر ترمب في كوبا؟*
كوبا اليوم ليست مجرد جزيرة محاصَرة، بل عقدة رمزية في صراع الإرادات. بالنسبة لواشنطن، هي اختبار لإعادة تثبيت الهيمنة في “الحديقة الخلفية”. وبالنسبة لخصومها، هي مؤشر على حدود القدرة الأمريكية على فرض الأمر الواقع.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً:
هل تتحول كوبا إلى مقامرة استراتيجية قد ترتد على صاحبها؟
أم أنها مجرد ورقة ضمن لعبة أكبر لإعادة تشكيل التوازنات في نصف الكرة الغربي؟
الإجابة لن تأتي من الخطابات وحدها، بل من تطورات الأشهر المقبلة، حيث تتقاطع الإرادة السياسية مع الحقائق الاقتصادية، ويتحدد مصير الجزيرة بين إرث الصمود وضغوط الواقع.
في النهاية، ليست كوبا هي السؤال الحقيقي، بل ميزان القوة الذي يُعاد اختباره على أبوابها. الجزيرة الصغيرة تختصر صراعاً أكبر: بين عالم يتجه إلى التعددية القطبية، وقوة تحاول تثبيت حقبة الهيمنة الأحادية ولو بإعادة تدوير عقائد قديمة بثوب جديد.
إذا كان التحشيد رسالة، فالسؤال لمن تُوجَّه؟
وإذا كان مقامرة، فمن سيدفع كلفتها؟
التاريخ يقول إن كوبا لم تكن يوماً ساحة عابرة، بل عقدة تتكثف فيها تناقضات النظام الدولي.
قد لا تسقط الجزيرة، وقد لا تنفجر المواجهة، لكن المؤكد أن ما يجري حولها ليس تفصيلاً تكتيكياً، بل اختباراً استراتيجياً لمستقبل النفوذ في نصف الكرة الغربي.
وبين استعراض القوة وحدود القدرة، ستتحدد الإجابة:
هل نحن أمام إعادة تثبيت الهيمنة… أم أمام بداية تصدّعها .
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق