تنظيم السفارة الإسرائيلية فى بكين لفعاليات دبلوماسية بعد حرب غزة لتسلم رئاسة التحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست

 

تنظيم السفارة الإسرائيلية فى بكين لفعاليات دبلوماسية بعد حرب غزة لتسلم رئاسة التحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست

IHRA
لتسليط الضوء على قضية معاداة السامية ومحاولة كسب تعاطف النخبة الدبلوماسية الصينية 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى


الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف


نظمت السفارة الإسرائيلية في بكين فعالية دبلوماسية فى ٧ أبريل ٢٠٢٥ بمناسبة تسلم إسرائيل رئاسة (التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست)
IHRA
للفترة من (مارس ٢٠٢٥ -  فبراير ٢٠٢٦). وكانت أبرز تفاصيل الفعالية وأهدافها: من خلال (الحضور الدبلوماسى للفعالية): فقد شهدت الفعالية حضور دبلوماسيين أجانب وممثلين عن وزارة الخارجية الصينية. وهنا جاءت (أبرز الكلمات الإفتتاحية فى فعالية السفارة الإسرائيلية لإحياء ذكرى الهولوكوست)، من خلال ما ألقته السفيرة الإسرائيلية في بكين "إيريت بن أبا"، حيث ألقت كلمة إستعرضت فيها بيانات حول معاداة السامية في المنطقة، وتسليط الضوء على "معاداة السامية": إستعرضت فيها السفيرة الإسرائيلية في بكين، "إيريت بن أبا"، بيانات حول معدلات "معاداة السامية" في المنطقة. وترأس تلك الفعالية "دانى ديان" (رئيس مجلس إدارة ياد فاشيم)، الذي يشغل منصب رئيس التحالف خلال فترة رئاسة إسرائيل التي بدأت في مارس ٢٠٢٥ وتستمر حتى فبراير ٢٠٢٦. أما عن (رمزية هذا الحدث لإستضافة الفعالية من قبل السفارة الإسرائيلية فى بكين)، فهو ما تضمنته الحدث ذاته من وجهة نظرى البحثية والأكاديمية والتحليلية من دعوة الحضور للتوقيع على "إعلان الناجين" 
(Survivors’ Declaration)
وهو إلتزام أخلاقى تقوده إسرائيل وفق ما تروج له رسمياً فى المحافل الدولية والعالمية، والذى يعود تحديداً لعام ٢٠٠٢، للحفاظ على ذكرى الهولوكوست. وتعد هذه الرئاسة الإسرائيلية للتحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست رمزية بشكل خاص، لتزامنها مع (الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية والذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس التحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست).     

ومن أجل ذلك، عملت السفارة الإسرائيلية فى بكين على التواصل مع النخبة الصينية للإحتفال معهم ومشاركتهم ذكرى الهولوكوست، حيث هدفت تلك الفعالية التى نظمتها سفارة تل أبيب فى بكين، إلى تعزيز الوعي بقضية الهولوكوست لدى المجتمع الدبلوماسي والمحلي في الصين، لا سيما في ظل تزايد الإنتقادات الإسرائيلية لما تصفه بـ "معاداة السامية" فى وسائل الإعلام الرسمية الصينية.   

وعلى الجانب الآخر، فقد ركزت محاور الرئاسة الإسرائيلية لذكرى الإحتفال بالهولوكست داخل السفارة الإسرائيلية فى بكين، من خلال رئيس التحالف ذاته (داني ديان) خلال الفعالية، لضرورة التركيز الصينى مع إسرائيل واليهود حول العالم، على تحديات الحفاظ على ذكرى الهولوكوست في عالم يقل فيه عدد الناجين، تحت شعار "مفترق طرق الأجيال". مع رفع الجانب الإسرائيلى لشعار (الإلتزام الأخلاقى)، بدعوة السفارة الإسرائيلية فى بكين لكافة الحاضرين للتوقيع على "إعلان الناجين" من مذبحة الهولوكوست والصادر عام ٢٠٠٢، كإلتزام أخلاقي بالحفاظ على هذه الذكرى.  

وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية للسفارة الإسرائيلية فى بكين، كجزء من جهود إسرائيلية أوسع خلال عام رئاستها للتحالف لربط قضية الهولوكوست بمكافحة "معاداة السامية المعاصرة" التى تستهدف إسرائيل خاصةً بعد حرب غزة فى أكتوبر ٢٠٢٣. ومن أجل ذلك، تعمل السفارة الإسرائيلية في بكين على مكافحة ما تصفه بـ "معاداة السامية" المتصاعدة في الصين، خاصة منذ أحداث حرب غزة فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، وذلك عبر عدة مستويات، أهمها (الإحتجاجات الدبلوماسية والبيانات الرسمية): عبر إنتقاد السفارة الإسرائيلية فى الصين لوسائل الإعلام الحكومية الصينية الرسمية عدة مرات، حيث قدمت السفارة الإسرائيلية فى الصين إحتجاجات رسمية ضد شبكة التلفزيون الصينى العالمية "سى جى تى إن"
)CGTN)
متهمة إياها بنشر "معاداة سامية صارخة" وترويج نظريات مؤامرة حول نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية. مع (حرص السفارة الإسرائيلية فى بكين على مراقبة المحتوى الرقمى الصينى لتتبع أخبار أو أى إنتقادات سلبية لإسرائيل خاصةً بعد حرب غزة فى أكتوبر ٢٠٢٣): وهنا تتابع السفارة الإسرائيلية فى بكين المحتوى المناهض لإسرائيل على منصات مثل "ويبو" و "دويين". 
Weibo & Douyin
حيث أعربت السفيرة "إيريت بن أبا" عن إستيائها من تصاعد خطاب الكراهية على هذه المنصات.

ولمناهضة الصورة السلبية عن إسرائيل واليهود فى الصين، فقد نظمت السفارة الإسرائيلية فى بكين بالتعاون مع اللوبى اليهودى الأمريكى والمنظمات اليهودية الدولية للعديد من (المبادرات الدولية والتعاون)، مثل: (التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست)
(HRA)
وفق ما نوهت عنه الباحثة المصرية، بإستضافة المقر الرسمى للسفارة الإسرائيلية فى بكين فى أبريل ٢٠٢٥ لندوة لـ (مكافحة معاداة السامية عبر الإنترنت)، بالتزامن مع (تولى إسرائيل رئاسة التحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست) لعام ٢٠٢٥، لتعزيز الوعي حول الهولوكوست في المنطقة. مع (التعاون القنصلى بين السفارة الإسرائيلية فى بكين وقنصلياتها العامة حول الصين): حيث حاولت القنصلية الإسرائيلية العامة فى شنغهاي التعاون مع "رابطة مكافحة التشهير" 
(ADL) 
فى مبادرات توعوية لخطورة تأثير الصورة الذهنية السلبية عن إسرائيل فى تصاعد موجة معاداة السامية داخل المجتمع الصينى، لكن هذه الجهود الإسرائيلية المبذوبة، واجهت ردود فعل شعبية صينية قوية عبر شبكة الإنترنت والفضاء الرقمى الصينى.      

فكانت أبرز التحديات والإنتقادات التى واجهتها سفارة إسرائيل لدى بكين لتنفيذ مهمتها السابقة من وجهة نظرى البحثية والأكاديمية والتحليلية، تتمثل فى: (فشل الإستراتيجية الرقمية الإسرائيلية الرسمية عبر سفارتها فى بكين): وهنا تشير تقارير إلى أن جهود السفارة الإسرائيلية فى بكين، لإقناع الرأي العام الصيني واجهت صعوبات كبيرة، حيث فشلت (الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية) فى فهم طبيعة المجتمع الصيني، مما أدى أحياناً لنتائج عكسية وتزايد المشاعر المؤيدة لفلسطين. مع (إصطدام الموقف الرسمى والدبلوماسى الإسرائيلى ذاته مع الموقف الصيني الرسمى): وهناك تنفي الحكومة الصينية وجود أى ظاهرة لـ "معاداة سامية" فى بلادها، وتؤكد أن (الصين تحظر خطاب الكراهية بموجب القانون الصينى)، بينما تعتبر أن الإنتقادات الموجهة لإسرائيل تتعلق بالصراع الفلسطينى الإسرائيلى، وليست موجهة ضد اليهود كعرق. وتبقى الملاحظة الجديرة بالإعتبار والذكر لدى الباحثة المصرية، هو ما تداوله من تقارير فى ديسمبر ٢٠٢٥، عن نية إسرائيل إغلاق قنصليتها العاصمة فى مدينة "تشينغدو" الصينية بحلول عام ٢٠٢٦، كجزء من إعادة تقييم نشاطها الدبلوماسى فى ظل توتر العلاقات مع بكين.     

تنشط السفارة الإسرائيلية في بكين والمنظمات الداعمة لها في الصين ضمن بيئة دبلوماسية وسياسية معقدة منذ إندلاع حرب غزة، حيث تسعى جاهدة لموازنة الموقف الصيني الذي يميل تقليدياً لدعم الحقوق الفلسطينية مع الحفاظ على المصالح الإقتصادية العميقة. وفيما يلى إستعراض لأبرز هذه الأدوار والتحركات وفقاً لمعطيات عامي ٢٠٢٥ و  ٢٠٢٦، على النحو التالى:

حيث تتمثل أبرز أدوار السفارة الإسرائيلية في بكين، من خلال تركيز السفارة الإسرائيلية، بقيادة السفير/ إيريت بن أبا، على عدة محاور إستراتيجية لمحاولة التأثير على الموقف الرسمي والشعبي في الصين، من خلال: (الحملات الدبلوماسية والإعلامية): حيث تشن السفارة الإسرائيلية فى بكين لعدة حملات نشطة عبر وسائل التواصل الإجتماعى الصينية، مثل (ويبو) لإيصال الرواية الإسرائيلية، ومحاولة الضغط على بكين لتبني موقف أكثر "توازناً" وإدانة صريحة لحركة حماس. مع (محاولة إستقطاب رجال الأعمال والمستثمرين الصينيين): ففى بداية عام ٢٠٢٦، ركزت السفارة الإسرائيلية فى بكين على طمأنة المستثمرين الصينيين بأن الإقتصاد الإسرائيلي "مرن" وقادر على الصمود، داعية الشركات الصينية لتعزيز إستثماراتها فى (قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا الغذاء) رغم التوترات الراهنة بعد حرب غزة فى أكتوبر ٢٠٢٣. مع تركيز السفارة الإسرائيلية فى بكين على (قضايا مكافحة "معاداة السامية" العرق اليهودى): وفق ما أشارت إليه الباحثة المصرية خلال النقاط السابقة، من تنظيم السفارة الإسرائيلية فى بكين لفعاليات دبلوماسية في بكين، مثل (تسلم رئاسة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست)
IHRA 
فى أبريل ٢٠٢٥، لتسليط الضوء على ما تسميه تصاعد "معاداة السامية" فى الصين والمنطقة والشرق الأوسط فى مواجهتهم، ومحاولة كسب تعاطف النخبة الدبلوماسية فى الصين لصفهم. .   

وفى هذا الإطار، يبرز (دور اللوبي والمنظمات المؤيدة لإسرائيل والمؤتمر اليهودي العالمى) 
World Jewish Congress
لدعم قضايا اليهود والإسرائيليين، ولكن نجد هنا، بأنه على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، لا يوجد "لوبي يهودي" مؤسسي قوي ومفتوح في الصين نظراً للقيود السياسية، لكن التحركات تتم عبر قنوات غير رسمية، مثل: (محاولات التأثير الإسرائيلية عبر المراكز البحثية والأكاديمية الصينية): حيث تعمل منظمات يهودية، مثل "معهد سياسات الشعب اليهودي" على نشر تقارير، مثل (تقرير "معاداة السامية فى الصين ٢٠٢١-٢٠٢٥") تهدف إلى لفت إنتباه صانع القرار الصيني لخطورة التحريض ضد إسرائيل على مصالحه الدولية.

فضلاً عن (الإعتماد على دور اللوبي الإقتصادى): حيث يلعب رجال الأعمال الإسرائيليون والصينيون المرتبطون بشركات التكنولوجيا دور "اللوبي الصامت"، حيث يضغطون للحفاظ على إستمرارية سلاسل التوريد والتعاون التقني، بعيداً عن السجالات السياسية بعد حرب غزة. .   

فضلاً عن إعتماد السفارة الإسرائيلية فى بكين على (دور الجالية اليهودية فى الصين ورجال الأعمال اليهود والمستثمرين الصينيين المرتبطين بإسرائيل): ونجد بأن الجالية اليهودية فى الصين، تتركز فى عدة مدن رئيسية، مثل ( بكين، شنغهاي، وكايفنغ)، والتى تعتمد عليها السفارة الإسرائيلية فى بكين لتعزيز الروابط الثقافية والتاريخية بين الصين وإسرائيل، وهنا تستخدم الجالية اليهودية فى الصين ورجال الأعمال اليهود على وجه الخصوص، لسردية "الصداقة التاريخية" بين الشعبين الصيني واليهودى، خاصةً (إيواء الصين للاجئين اليهود فى شنغهاي خلال فترة الحرب العالمية الثانية) كأداة دبلوماسية ناعمة لتقليل حدة الإنتقادات الصينية الحالية.  مع (تركيز السفارة الإسرائيلية فى بكين والجالية اليهودية هناك على موضوعات إيجابية كإستمرارية التعاون التجارى بين الصين وإسرائيل): فبرغم التوترات السياسية، وصلت التجارة الثنائية إلى مستويات قياسية بلغت حوالي ٣٣ مليار دولار في عام ٢٠٢٥، حيث إستمر رجال الأعمال في كلا الجانبين في تعزيز التبادل التجاري، مما يجعل الصين الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل في آسيا.  

ولكن تبقى التحديات الراهنة (٢٠٢٥-٢٠٢٦) فى عمل السفارة الإسرائيلية فى بكين، حيث تواجه هذه الجهود صعوبات كبيرة بسبب: (الإنحياز الصيني للجنوب العالمى): تتبنى بكين خطاباً ينتقد إسرائيل بشدة في المحافل الدولية لتعزيز مكانتها كقائد لدول "الجنوب العالمي". فضلاً عن (الضغوط الأمريكية): وتزايد التدخل الأمريكي لتقليص الإستثمارات الصينية في التكنولوجيا الإسرائيلية الحساسة، مما أضعف من قدرة "اللوبي الإقتصادى اليهودى" على المناورة. مع (المبادرات الصينية ضد المصالح السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية): حيث تفضل إسرائيل الوساطة الأمريكية، بينما حاولت بكين فرض دورها عبر "إعلان بكين" للمصالحة الفلسطينية فى عام ٢٠٢٤، وهو ما قوبل ببرود ورفض وإحتجاح علنى من الجانب الإسرائيلى. 

ومن هنا نفهم، مدى الجهد الذى تبرزه السفارة الإسرائيلية فى بكين فى محاولة فتح قنوات للتقارب مع الجانب الصينى، ومحاولتها الترويج لكافة القضايا التاريخية من معاداة السامية أى المعاداة للجنس السامى اليهودى حول العالم، وإحياء ذكرى محرقة الهولوكوست لكسب التعاطفى الصينى الشعبى والدبلوماسى حول قضايا اليهود حول العالم وإسرائيل، بمساعدة عدد كبير من الجاليات اليهودية المقيمة بشكل دائم فى الصين.

تعليقات