سلسلة ما يكتبه سمير ياسين
الأمين العام للجبهة العربية لتحرير الأحواز
#صوت_الأحواز
#الجبهة_العربية_لتحرير_الأحواز
حين انطلقت صرخة الاحتجاج في يناير 2026، ممتدة من أزقة الأحواز إلى جبال كردستان وبلوشستان، وصولاً إلى قلب طهران، لم يكن النظام الإيراني يواجه مجرد "اضطراب" عابر، بل كان يواجه حقيقته المتآكلة وهو أمام خيارين: الإنصات لصوت الشارع أو خنقه، فاختار النظام "الإسكات العنيف"، لكنه في محاولته تلك كشف عن هشاشة بنيوية تتجاوز مجرد القمع؛ كشف عن نظام يتخبط بين أيديولوجيا التخوين وبراغماتية البقاء.
في التاسع من يناير، وبينما كانت الشوارع لا تزال شاهدة على دماء الضحايا، خرج الخطاب الرسمي ليعيد إنتاج السردية ذاتها، حيث وصف خامنئي المتظاهرين بـ"العملاء"، وكرر وزير الخارجية عراقجي معزوفة "الحرب الهجينة"، بينما انشغل ما يطلقون عليه الحرس الثوري ببث "اعترافات" مُنتزعة تحت الضغط.
لكن هذا الخطاب يصطدم بسؤال الوجود وهو: إذا كان ملايين المحتجين من معلمين وطلاب، ونساء وشباب، وعرب وأكراد وبلوش وأذريين وتركمان، ليسوا سوى "أُجَراء للخارج"، فمن بقي الذي يدعي النظام تمثيله؟
إن تسمية الشباب "إرهابيين" لم تعد مجرد تهمة قضائية، بل هي اعتراف رسمي بقطيعة تامة بين السلطة والمجتمع.
بينما كان التهديد بـ "سحق المشاغبين" و"الرد غير المسبوق" على القوى الدولية يملأ وسائل الإعلام الرسمية، كانت الكواليس في مسقط تروي قصة أخرى.
ففي الوقت الذي كان فيه الأسطول الأمريكي بقيادة الأدميرال براد كوبر يتحرك في مضيق هرمز، كان الوفد الإيراني يجلس في الغرف المجاورة بحثاً عن "بداية جيدة" للتفاوض.
هذا ليس "دبلوماسية حكيمة"، بل هو ارتباك نظام يدرك أن شرعيته الداخلية قد تبخرت، لذا يسعى لشرائها من الخارج عبر صفقات سياسية.
النظام الذي يصف شعبه بالعمالة، يهرع للتفاوض مع زعم من قبل بأنه "رأس المؤامرة" لضمان بقائه، في مفارقة أخلاقية تسقط آخر ورقات التوت عن ادعاءات السيادة والكرامة.
إن استقدام الميليشيات المأجورة لقمع المواطنين، وإجبار أهالي الضحايا على دفع ثمن الرصاص الذي قتل أبناءهم، ليست مجرد جرائم، بل هي أدوات نظام لم يعد يملك لغة للتواصل سوى "فاتورة الدم".
إن ما حدث في يناير 2026 هو استمرار لسلسلة الانكسارات التي بدأت في معشور عام 2019 وانتفاضة عام 2022، لكن الفارق اليوم هو أن "حاجز الخوف" لم ينكسر وحده، بل انكسر معه أي أمل في الإصلاح من الداخل.
يقف النظام الإيراني اليوم في فخ أدواره المتناقضة: فهو الجلاد الذي يقتل شعبه، والضحية التي تتباكى من المؤامرات، والتاجر الذي يبحث عن صفقة إنقاذ في العواصم الدولية.
لقد أثبتت أحداث يناير أن الشعوب لم تعد تصدق أن "جوعها" مؤامرة، ولا أن "دمها" رخيص.
إن إدارة الدولة عبر الأكاذيب والمفاوضات السرية قد تطيل عمر النظام لأسابيع أو شهور، لكنها لا تبني دولة. فالحقيقة التي خلفتها آلاف الجثث في الشوارع لا يمكن طمسها بصفقة في مسقط أو ببيان صامت من مجتمع دولي يراقب من بعيظ احتراق إيران.

تعليقات
إرسال تعليق