بين المهل الأميركية والتهديدات الإسرائيلية: غزة بين سيناريوهات غامضة



أبو شريف رباح 

يشهد قطاع غزة مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية بينما تتصادم المبادرات الدولية مع الوقائع التي يفرضها الاحتلال، وبين الحديث عن مهلة أميركية تمتد لستين يوما والتهديدات الإسرائيلية بنزع السلاح يجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم محاصرين في مساحة تتقلص يوما بعد يوم تحت وطأة الحرب والدمار وغياب الحلول السياسية. 


وتتقدم الوقائع العسكرية بوتيرة أسرع من أي مسار تفاوضي، فإعادة تقسيم مناطق القطاع إلى خطوط فاصلة وتعزيز المواقع العسكرية وإنشاء نقاط تمركز جديدة ليست إجراءات مؤقتة بقدر ما هي مؤشرات على محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد، وقد أدت عمليات الهدم والتجريف الواسعة إلى تحويل مساحات كبيرة إلى مناطق عازلة أو "أرض محروقة" ما يحد من قدرة السكان على العودة أو إعادة الإعمار في المدى المنظور، في هذا المشهد يصبح المدنيون رهائن للخرائط العسكرية يواجهون خيارات قاسية بين النزوح المتكرر أو البقاء تحت التهديد أو اللجوء مجددا إلى مخيمات تفتقر إلى مقومات الحياة وسط انتشار مخلفات الحرب التي تشكل خطرا دائما.


يثير الحديث عن مهلة أميركية تساؤلات حول طبيعتها، هل تمثل فرصة حقيقية لتسوية مرحلية أم غطاء سياسي يمنح إسرائيل وقتا لإعادة ترتيب واقعها الميداني؟ فقد استخدمت المهل الزمنية مرارا كأداة لإدارة الصراع لا حله بما يسمح بامتصاص الضغوط الدولية مع استمرار فرض الوقائع على الأرض، كما أن غموض خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تبدأ بترتيبات أمنية مؤقتة ولا تستبعد فرض إدارة دولية أو إقليمية للقطاع تحت مسميات مثل "قوة استقرار" أو "مجلس سلام" وهي مشاريع تثير مخاوف من تكريس فصل غزة عن باقي الجغرافيا الفلسطينية.


تشكل مسألة نزع السلاح إحدى أبرز نقاط التوتر، فإسرائيل تعتبره شرطا لأي ترتيبات مستقبلية بينما يراه الفلسطينيون محاولة لتجريدهم من حق الدفاع عن أنفسهم في ظل استمرار الاحتلال وتطرح أسئلة جوهرية، من يضمن وقف الاعتداءات؟ وهل يمكن تحقيق استقرار دون إنهاء الاحتلال ورفع الحصار؟ وهل يمكن فرض هذا الخيار بالقوة دون تفجير موجات جديدة من العنف؟ تظهر هذه التساؤلات أن المقاربة الأمنية المنفصلة عن حل سياسي شامل لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع، وفي حال فشل المساعي السياسية قد تلجأ إسرائيل إلى تصعيد عسكري جديد لفرض شروطها ما يعني مزيدا من القتل والدمار والنزوح.


إن طرح نشر قوة دولية أو عربية لإدارة الأمن في القطاع يواجه تحديات تتعلق بالسيادة ووحدة الأرض الفلسطينية، فسيناريو إدارة مدنية مفصولة عن الضفة الغربية يشكل خطراً استراتيجيا يتمثل في تكريس الانقسام بينما قد تفضي التهدئة الهشة إلى وقف مؤقت للتصعيد دون معالجة جذور الصراع.


تكمن المشكلة الجوهرية في أن الحلول الحالية تركز على إدارة الأزمة بدلاً من حلها فالحصار وإعادة تشكيل الجغرافيا والضغوط الأمنية كلها أدوات قصيرة المدى لا يمكن أن تنتج استقرارا دائما، إن الاستقرار الحقيقي يتطلب معالجة جذور الصراع، إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان وحدة الأرض وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.


وفي ظل غياب رؤية سياسية عادلة وشاملة، ستبقى غزة ساحة مفتوحة لسيناريوهات خطرة يدفع ثمنها المدنيون الذين ينتظرون أملا حقيقيا يتجاوز الحسابات الضيقة ويضع العدالة والحقوق الإنسانية في صلب أي مسار سياسي قادم.

تعليقات