ميخائيل عوض / لبنان
ما وراء الزيارة المستعجلة
لم تكن زيارة نتنياهو الأخيرة إلى البيت الأبيض زيارة بروتوكولية عادية.
هي الزيارة السادسة أوالسابعة، لكنها الأولى التي طلبها على عجل، واستغرقت ثلاث ساعات مغلقة بحضور محدود.
السؤال المركزي الذي تطرحه المعطيات الشكلية:
هل عاد نتنياهو خالي الوفاض؟
إنه بعيداً عن “بواطن الأمور” التي لا يملكها إلا صانعو القرار، يمكن قراءة المشهد من ظواهره: لغة الجسد، غياب حصول المؤتمر الصحفي الثنائي، تصريح ترامب الحاسم بأن “الأولوية هي استمرار التفاوض حول الملف النووي الإيراني”. هذا يكفي للإشارة إلى خلل في حسابات نتنياهو.
*أولاً: لماذا يمكن اعتبار نتنياهو الخاسر الأكبر؟*
نتنياهو جاء حاملاً سلّة مطالب
تقييد مسار التفاوض الأميركي – الإيراني،رفع سقف الضغط،
فرض خيارات عسكرية محتملة.
لكن ترامب أعاد تثبيت أولويته التفاوض لا الحرب.
وهنا يتبدّى التناقض البنيوي بين الرجلين، نتنياهو بما يمثّله من تيار الهيمنة التقليدية للوبي حكومة الشركات يريد توظيف التصعيد ويسعى لتوسيع الاشتباك. في حين أن ترمب يمثّل مقاربة الصفقات والبراغماتية الانتخابية يريد إدارة المخاطر بأقل كلفة يفضّل تخفيض الالتزامات المباشرة.
وعليه فإن ترامب ليس معنياً بحمل أعباء مشروع توسعي إسرائيلي، خصوصاً في ظل حساباته للانتخابات النصفية.
بل إن استراتيجيته للأمن القومي أوضحت بوضوح:
على إسرائيل أن تحمي نفسها بنفسها وهذا تحوّل بالغ الدلالة.
*ثانياً: هل تُطلق يد نتنياهو في ساحات بديلة؟*
إذا كان نتنياهو لم ينجح في تغيير مسار التفاوض مع إيران، فهل يعوّض ذلك بفتح ساحات أخرى؟ وفق طرح عوض في الحلقة فإن المسار المحتمل الذي تشير إليه القراءة
فإن نتنياهو قد يعوض عن فشله وعجزه بتصعيد في الضفة الغربية، أو توتر في الأردن، ضغط على لبنان
عبث أمني في العراق
هذه ساحات منخفضة الكلفة نسبياً لواشنطن، لكنها تمنح نتنياهو هامش حركة لتعويض الخسارة المعنوية.
المفارقة أن ترامب قد لا يعترض، طالما أن ذلك لا يجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة.
*ثالثاً: من “فرق تسد” إلى “تكبير الجغرافيا وتقسيم العقول”*
إن انتقال المشروع الغربي من نموذج سايكس–بيكو إلى نموذج أكثر تعقيداً.
استند مشروع (سايكس–بيكو)
على تقسيم جغرافي نشأ عنه
كيانات وظيفية وجيوش تحمي الحدود المصطنعة
أما الاستراتيجية المطروحة اليوم وهي الأخطر تكبير الجغرافيا وتفتيت الهويات الكبرى، عبر الاستثمار في الفراغ وخلق حالة فوضى مستمرة في دول تتحول إلى كيانات. حيث يترافق تكبير الجغرافيا مع
سلطات هامشية بلا سيادة حقيقية،تقسيم الهويات: طائفية، مذهبية، مناطقية. ومجتمعات متصارعة غير قادرة على تنظيم أمورها وحماية نفسها
والهدف من ذلك إدارة المنطقة بأقل كلفة، وتأمين النفط وخطوط النقل، مع كيانات عاجزة عن بناء قوة سيادية.
هذه ليست نظرية على الورق؛ بل قراءة لمسار تجريبي شهدناه في ليبيا،السودان، العراق نسبيا وكذلك اليمن، وهو ما يعد للبنان اليوم.
*رابعاً: هل يمكن لمخطط صراع مذهبي أن يكون في خدمة مشروع براك عن تكبير الجغرافيا وتفكيك الديموغرافيا؟*
من أبرز الملاحظات أن الاستثمار الضخم في تسعير الصراع المذهبي خلال عقود تراجع فعلياً أمام وقائع جديدة، أبرزها:
- المصالحة السعودية – الإيرانية برعاية صينية
- موقف خليجي رافض لاستخدام أراضيه في أي حرب على إيران
- تنسيق إقليمي يتجاوز الخطاب الطائفي
بمعنى آخر،
السردية التي حكمت المنطقة منذ 1979 لم تعد صالحة كإطار تفسيري وحيد. وهذا يربك مشاريع التفتيت التقليدية. ويحسم بالقول لا إمكانية لناتو سني في الإقليم لانتفاء دوره وأسباب وجوده.
*خامساً: سباق نووي إقليمي محتمل؟*
إذا انتزعت إيران اتفاقاً يُبقي على برنامجها النووي تحت سقف معيّن ، فإن ذلك قد يفتح الباب لمعادلة جديدة في المنطقة
السعودية قد تطالب بالمعاملة بالمثل، تركيا قد تلوّح بالخيار النووي، ومصر والجزائر قد تدرسان المسار ذاته
والنتيجة المحتملة منطقة نووية متعددة الأقطاب.
لكن قدرة تركيا على المضي بعيداً في مشروع تسلح نووي تبقى محدودة بسبب تغلغل اللوبي الأطلسي داخل مؤسساتها،هشاشتها الاقتصادية
حساسيتها الجيوسياسية تجاه أوروبا وكذلك ربما لعوامل تقنية متعلقة بالمشروع نفسه.
*سادساً: مشروع “تكبير الجغرافيا”... لماذا؟*
السؤال الجوهري لماذا تفكيك الكيانات بدل الحفاظ عليها؟
من الناحية الاقتصادية – الاستراتيجية إن
الدول الصغيرة باتت عبئاً و
كلفة دعمها أعلى من عائدها، إضافة إن خطوط النقل البرية والأنابيب تحتاج جغرافيا مفتوحة. وبذلك السيطرة على كيانات ضعيفة أسهل من مواجهة دول ذات سيادة
الفكرة ليست تقسيم الأرض فقط، بل تفكيك الهوية الجمعية التي تمنح معنى للسيادة.
*سابعاً: هل يسقط ترامب؟*
احتمالاً لافتاً إذا لم ينجح ترامب في إنتاج “حدث نوعي” يعيد تثبيت قوته، فقد تتصاعد الضغوط الداخلية عليه.
لكن خيار إعلان الطوارئ أو الانزلاق إلى مواجهة كبرى يبقى محفوفاً بالمخاطر.
والمعادلة الدقيقة التي تحكم ترمب بأنه لا يريد حرباً كبرى
ولا يستطيع الظهور ضعيفاً
بل يحتاج إنجازاً انتخابياً تجعله من حيث يريد تثبيت وجوده قد تأخذه مسارات الأحداث لمستقبل مغاير وليس في مصلحته.
على حافة ولادة عالم جديد
العالم القديم، يتوحش ليمنع ولادة الجديد.لكن مسار التاريخ لا يسير وفق إرادة الفاعلين وحدهم.
هل تنجح مشاريع الفوضى؟
أم أن توازنات ناشئة – صينية، روسية، إقليمية – ستعيد إنتاج نظام مختلف؟
المشهد مفتوح على احتمالات كبرى تصعيد موضعي محدود
اتفاق إيراني – أميركي مُعدل،
سباق تسلح إقليمي،أو انفجار يعيد رسم الخريطة بالكامل
لكن المؤكد أن زيارة نتنياهو لم تكن نقطة قوة له بل علامة على تحوّل في موازين القرار داخل واشنطن نفسها.
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق