د / صلاح حامد رمضان علي
أستاذ المترولوجيا الهندسية وهندسة الدقة
المعهد القومي للقياس والمعايرة - وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جمهورية مصر العربية
SalahAli20@yahoo.com
تشهد البشرية اليوم مرحلة إنتقالية حاسمة من التطور العلمي والتكنولوجي، حيث تمهد الابتكارات الريادية في مجالات الهندسة الكمومية وتقنيات الأتوثانية الطريق نحو الثورة الصناعية الخامسة. تتيح هذه الابتكارات تطوير أنظمة دقيقة ومواد متناهية الصغر تتميز بخصائص فيزيائية محسنة، مما يعزز أداء الأجهزة الإلكترونية والتجهيزات الهندسية المتقدمة. ويعكس هذا التقدم قدرة الصناعات الحديثة على دمج الدقة والإتقان بكفاءة عالية مع الاستدامة، فاتححاً آفاقاً واسعة للتطبيقات المستقبلية في مختلف المجالات العلمية والهندسية. الهندسة الكمومية هو علم يستخدم تطبيقات الحوسبة الكمومية والطوبولوجي بدلالة الإحداثيات والمسافات والزوايا والأشكال لفهم المزيد من الخواص الفيزيائية للمواد. الأتوثانية هي أحدث وأصغر وحدات قياس الزمن، لها تطبيقات هندسية واعدة، حيث تعادل جزء من مليار من مليار جزء من الثانية طبقاً لتوصيف المكتب الدولي للموازين والمقاييس (BIPM) ومعاهد المترولوجيا الوطنية (NMIs).
بدايةً، بفضل السمة العلمية التي تحققت في علم البصريات مع مطلع القرن الحادي عشر الميلادي على يد الموسوعة حسن بن الهيثم، عالم عربي مسلم ولد في البصرة بالعراق عام 965 م وعاش معظم حياته بمصر، وتوفي بالقاهرة عام 1040. وفضل أفكار ريادية وانجازات معملية للعديد من المستكشفين والعلماء والباحثين، خصوصاً بعد أن وضع جون دالتون (John Dalton) نظريتة الذّرية الحديثة عام 1803، وبعد أن ظَهر مفهوم الهندسة الكمومية في تطبيقات الفيزياء الهندسية نتيجه تجارب الباحث الألماني ماكس بلانك عام 1901. وإمتداداً لخطى الرواد من العلماء والمستكشفين، قام أندريه جييم (Andre Geim) هولندي من اصول روسيه وكونستانتين نوفوسيلوفKonstantin Novoselov)) بريطاني من اصول روسيه بتجاربهم الرائدة في إكتشاف مادة الجرافين على شكل ألواح جديدة من الكربون سمكها يعادل قطر ذرة واحدة، واللذان حصلا بموجبها على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة عام 2010. أن مادة الجرافين عبارة عن مادة بنائها الداخلي ثلاثي الأبعاد ذات خصائص متميزة وفريدة. ومع ابتكار العالم المصري الأصل أحمد زويل (Ahmed Zewail) لميكرسكوب يعمل بسرعة فائقة بتقنية الفيمتوثانية (Femtochemistry) (10-15 ثانية). كل ذلك مَكن العلماء من تصوير التفاعلات الكيميائية أثناء حدوثها على مستوى الذرة، في زمن قدره فيمتوثانية والذي حصل بموجبه على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 لابتكاره هذا المجال الجديد في تطبيقات ضخمة في الكيمياء، والطب. هذا بالإضافة الى تفسير مفهوم التشابك الكمومي، الذي حصل بموجبة كلا من جون إف. كلاوسر (John F. Clauser) (أميركي)، أنطون زيلينجر (Anton Zeilinger) (نمساوي)، وآلان أسبيه (Alain Aspect) (فرنسية) على جائزة نوبل في الفيزياء 2022 عن إنجازاتهم في نطاق ميكانيكا الكم، كما أظهرت تجاربهم على الفوتونات المتشابكة كمومياً. حيث أكدوا إختلاف الواقعية المحلية لنظريتي ألبرت أينشتاين عن وجهة النظر الكمومية. الواقعية المحلية هي أن كل شيء يمكن قياسه، يكون له قيمة محددة. كما حصل كلٌّ من بيير أجوستيني (فرنسي) والمشرف عليه بروفيسور فيرينس كراوس (مجري/نمساوي)، وآن لويلييه (فرنسي/سويدي) على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2023، لدورهم في توليد نبضات ضوئية تُقاس بوحدة الأتوثانية (10-18 ثانية). في نفس العام، ونتيجة لإكتشاف وتوليف النقاط الكمومية، مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء إلى كلا من مونجي جي (أمريكي/فرنسي من أصل تونسي). باويندي ولويس إي. بروس وأليكسي يكيموف. ومع تطور أنظمة الكاميرات والميكروسكوبات العلمية ومفهوم ميكانيكا الكم، المسمىَ معاً بالهندسة الكمومية. لذا يعتبر تطور العلوم الطبيعية، قد مهد الطريق امام الفيزياء الهندسية الحديثة للتوصل الى الهندسة الكمومية للذرات. كما تبلورت فكرة تحويل الفيمتوليزر إلى أتوليزر، أي بتحويل الفوتونات المكونة للفيمتوليزر إلى فوتونات عالية الطاقة وأصغر في الحجم وسرعتها أكبر بكثير، وهي عملية تُعرف باسم التوليد التوافقي العالي (HHG)، التي طورتها العالِمة آن لويلييه. مع دمج الفيزياء الهندسية للضوء وتقنيات الليزر وأنظمة التحليل الطيفي، حيث أن عمل الليزر يعتمد على مبادئ فيزيائية مثل الانبعاث المحفز والإشعاع، مما يجعله أداة قوية في العديد من التطبيقات. عندما تدمج هذه المعارف مع تقنيات التحليل الطيفي، نحصل على أنظمة قادرة على تقديم معلومات دقيقة عن الخواص الفيزيائية للمواد من خلال تحليل الضوء المنبعث أو الممتص. هذه الأنظمة تُستخدم في مجالات متعددة مثل الكيمياء، الطب، الهندسة والعلوم البيئية، مما ساعد في تحسين دقة القياسات وفهم الخواص الكيميائية والفيزيائية للمواد. نجح البروفيسور محمد ثروت حسن (مصري الجنسية) مع فريقه البحثي في جامعة أريزونا من تطور جهاز ليزر ينتج نبضات ضوئية بسرعة فائقة جداً، مما مكنهم من تتبع حركة الإلكترونات داخل المواد العازلة وتحويلها إلى مواد موصلة للكهرباء. هذا الاكتشاف يُعد نقلة نوعية في مجال الإلكترونيات والاتصالات، حيث يُتوقع أن يزيد من سرعة تشغيل الأجهزة الإلكترونية كأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة بمقدار 100 مليون مرة عن ما قبل. ففي 2022 استطاع البروفيسور حسن أحد طلاب العالم الجليل أ.د/ أحمد زويل، وآخرون من تطوير أسرع ميكروسكوب إليكتروني في العالم يستطيع رصد حركة الإلكترونيات خلال جزءاً من مليار من مليار جزء من الثانية (أتوثانية). كما امكن اثبات ذلك من خلال تصوير حركة الإلكترونات بين ذرات الكربون في مادة الجرافين متعدد الطبقات بسرعة غير مسبوقة. هذا بالاضافة إلى قدرة المجهر الفريدة على التصوير ثلاثي الأبعاد. مما سوف يساعد العلماء في كافة المجالات على تصوير الإلكترونات في عينات المواد المختلفة في الزمن والمكان الحقيقين. ، مما يفتح الباب أمام تطبيقات واسعة، ليس في الفيزياء الجيومترية الكمومية فقط، بل في الكيمياء والبيولوجيا والطب والهندسة فقط، بل في كل علوم الحياة، مما قرب العلماء من تحديد مكان الإلكترون وسرعته في اللحظة ذاتها وبدقة متناهية. لذا يمكن القول، إن الباحث حسن وفريقه تمكن من توليد نبضات الفوتونات فائقة السرعة واستخدامها لتشكيل موجيات نبضات الليزر التي تتولد عن طريق تشتيت الضوء، وتعديل أجزاء من الطيف بشكل مناسب، وثم إعادة تجميع الضوء فى شكل موجة مُهندسة. وذلك نتيجه تسليط الضوء باستخدام تقنيات مترولوجية متقدمة لتحليل ديناميكيات الشبكة، للمساعدة في فهم كيفية تأثير التركيب البلوري على الخواص الكهربائية للمعدن.
كما أهتمت نتائج القياسات الحديثة بدراسة عدم استقرار موجات كثافة الشحنة في معدن كاجومي، مما أشار إلى وجود تفاعلات معقدة قد تؤثر على الخواص الفيزيائية للمادة. كما أشارت النتائج إلى وجود تنافس بين أنماط مختلفة من عدم الاستقرار، مما قد يؤثر على سلوك المادة في ظروف معينة. خلصت الدراسة إلى أهمية فهم ديناميكيات الشحنة في المواد ذات الهيكل الكاجومي، قد يفتح آفاقاً جديدة في مجال المواد المتقدمة وتطبيقاتها. لذا يمكني القول: أن المغناطيسية وارتباطات الإلكترون في مغناطيسيات الكاجومي تعمل معاً في تفاعل مُعقد، حيث أن التأثيرات المغناطيسية أظهرت تدفق الإلكترونات حول المثلثات البنائية للمادة، كما تندمج الإلكترونات مع بعضها البعض في مُوجة جماعية، تحمل بشكل جماعي تياراً كهربائياً، وهو ما يشبه الموصلية الفائقة. وبناءً على كيفية ترتيب الذرات، يمكن حساب نوع بنية النطاق الإنتقائي المتوقع القوي في طبقة رقيقة من مغناطيس كاجومي، ليُعد مسار جيد يُمَكِن الباحثين من التنبؤ بطوبولوجيا المواد عند التصاميم الهندسية مستقبلاً. وإمتداداً لذلك، تمكن الباحثان مينغو كانغ وريكاردو كومين وآخرون من اكتشاف الشكل الحقيقي (السمة الهندسية) للإلكترون المتحرك في كاجومي باستخدام مطيافية انبعاث الإلكترونات الضوئية ذات التحليل الزاوي (ARPES). نظام ARPES هو تكنيك مترولوجي فائق التقدم، يتيح تحليل زوايا ودوران الإلكترونات المنبعثة من المادة، لقياس المصفوفة الهندسية الكمومية، مما يتيح رؤية غير مسبوقة لسمتها الهندسية الكمومية. حيث كشفت الدراسة عن قياسات دقيقة للمواد الصلبة، مما يعزز فهم الخصائص الكمومية للمواد. تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير الخواص الكهربائية والضوئية للمواد الصلبة، لتفتح آفاقاً جديدة في مجال الفيزياء الكمومية وتطبيقاتها في التكنولوجيا المستقبلية. لذا يمكن ان نستخلص التالي: تشهد الإنسانية اليوم منعطفاً حاسماً نحو بزوغ ظواهر ابداعية تمهد الطريق للثورة الصناعية الخامسة المرتقبة، دعماً للتقدم المتوقع في صناعة الإلكترونيات متناهية الصغر القائمة على الهندسة الكمومية ومترولوجيا القياس عالية الدقة مع استخدام تقنية الأوتوثانية. عليه يمكن التوصل إلى التوصيات التالية:
- أهمية الحفاظ على الثروات المعدنية: تُعدالخامات المعدنية عماد التنمية الاقتصادية ومحرك الصناعات الحيوية، فهي أساس بناء الحضارات وتطوير الشعوب. حيث تكتسب الموارد ذات الخصائص الفيزيائية الفريدة قيمة استراتيجية على الأصعدة العلمية والاقتصادية والسياسية الآن. لذا، فإن الحفاظ على هذه الثروات يتطلب: تعزيز الإهتمام بإدارة وحماية الموارد المعدنية، خصوصاً المعادن النادرة التي أصبحت من احد أهم اسباب الحروب العالمية الحديثة، لأهميتها في الصناعات فائقة التقدم.
- ضرورة تحديث الخطط والمناهج الدراسية، خصوصاً للتخصصات الهندسية والفيزيائية في كليات الهندسة والعلوم بالجامعات لمواكبة المستجدات المعملية المرتقبة في علوم ميكانيكا المواد وأنظمة المترولوجيا الهندسية المتقدمة بغرض تأهيل أبنائنا الطلاب لمواكبة أحدث المستجدات استعداداً للانتقال قريباً للثورة الصناعية الخامسة.
- أهمية تحديث الخطط البحثية في المعاهد البحثية والجامعات لمواكبة الاكتشافات والمستجدات العلمية الحالية والمرتقبة في المواد متناهية الصغر، تمهيداً للإنتقال بسلاسة وتوافق بما يسهم في تهيئة بيئة علمية قادرة على التكيف والإندماج مع متطلبات الثورة الصناعية القادمة.
- من المرتقب تحقيق قفزة نوعية فائقة في تطوير أداء أنظمة التحكم الدقيقة ذات المستشعرات الإلكترونية، بما يدعم فاعليتها في خفض استهلاك الطاقة والموارد واستدامتها مستقبلاً. لذا يمكن القول، قد يصبح قريباً تصميم وتصنيع مواد هندسية جديدة بخواص فيزيائية وهندسية محددة (كالموصلية العالية) أمراً ممكناً مما يعزز آداء الأنظمة الهندسية وتطبيقاتها المتنوعة.

تعليقات
إرسال تعليق