أبو شريف رباح
في ظل تصاعد الحرب والقصف المتبادل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وتنامي الانخراط الغربي إلى جانب أميركا إسرائيل، فهل سيبقى العالم أمام مواجهة إقليمية قابلة للاحتواء أم حربا عالمية بين محورين دوليين؟ فإعلان كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا الوقوف إلى جانب واشنطن وتل أبيب يعكس اصطفافا غربيا واضحا يعيد إلى الأذهان مشهد التحالفات التقليدية في النظام الدولي، وإرسال حاملات الطائرات وتعزيز الحضور الجوي في الشرق الأوسط هل يهدف إلى ردع إيران وإخافتها أم سيرفع منسوب المخاطر لأن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
في المقابل تبدو إيران وحيدة في الميدان، صحيح أنها تمتلك شبكة اذرع عسكرية إقليمية وأدوات نفوذ غير تقليدية، لكن الدعم العسكري السياسي من روسيا والصين لم يظهر بشكل صريح حتى الآن، فبالرغم من أن الطائرات الإيرانية المسيرة من طراز "شاهد" التي زودتها طهران لموسكو كان لها أثر واضح في الحرب الأوكرانية إلا أن موسكو لم تدعم إيران بالسلاح والعتاد في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالمقابل نشاهد الدعم الأمريكي والغربي الغير مسبوق لإسرائيل في الحرب على إيران، كما إن بكين وسياستها القائمة على المصالح الاقتصادية تتجنب المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وحريصة كل الحرص على عدم الانجرار لحرب عالمية.
من الملاحظ أن روسيا والصين تدعمان إيران إعلاميا فقط، فروسيا تعاني من حرب استنزاف في أوكرانيا وتواجه عقوبات غربية وتدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن قد يفتح جبهة لا تملك خوضها في الوقت الحالي، أما الصين التي ترتبط اقتصاديا بعلاقات تجارية بالغرب فترى في الاستقرار شرطا لازما لاستمرار صعودها الاقتصادي العالمي.
اعتقد ان روسيا تعمل ضمن تفاهمات وتوازنات دقيقة مع إسرائيل والولايات المتحدة ودورها محكوما بسقف هذه التفاهمات الغير معلنة، وتعرف ان أي تدخل روسي مباشر في الصراع الإيراني الإسرائيلي _ الأميركي سيعني انهيار هذه التفاهمات والدخول في مواجهة مفتوحة مع أميركا وحلفاءها.
من هنا أظن أن الحرب العالمية تبقى احتمالا بعيدا لأن كلفتها على الجميع كارثية فمبدأ الردع المتبادل الذي يحكم العلاقات بين القوى الكبرى منذ الحرب الباردة لا يزال فاعلا، لكن الخطر لا يكمن في قرار متعمد بالحرب العالمية بل في سوء التقدير أو حادث عسكري غير محسوب قد يتدحرج بسرعة خارج السيطرة، لكن السيناريو الأكثر ترجيحا في الحرب الإيرانية الأميركية _ الإسرائيلية ستستمر حرب استنزاف من ضربات محدودة وعمليات استخبارية وهجمات سيبرانية واستهداف مصالح متبادلة دون الانزلاق إلى حرب عالمية مما يسمح للأطراف بإيصال الرسائل دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى.
تبقى الدول العربية الأكثر تأثرا في هذا الصراع فممرات الطاقة والمياه الإقليمية والأسواق الاقتصادية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تجعلها ساحة مفتوحة للحرب وأي تصعيد سيؤثر على الاستقرار الداخلي والاقتصادي لدول المنطقة حتى لو لم تكن طرفا مباشرا في القتال، لذلك فإننا قد لا نشهد حربا عالمية تقليدية لكننا بلا شك نعيش مرحلة إعادة تشكل للنظام الدولي حيث تختبر القوى الكبرى حدود نفوذها وتدفع الدول الإقليمية ثمن هذا الاختبار، ويبقى السؤال مفتوحا هل ينتصر منطق الردع والعقل أم تتغلب حسابات القوة والمغامرة والإجابة رهن بتوازنات دقيقة وأعصاب باردة في منطقة لا تحتمل مزيدا من النيران.

تعليقات
إرسال تعليق