أبو شريف رباح
تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة مفصلية تبدو فيها احتمالات المواجهة العسكرية أكثر حضورا من أي وقت مضى مع تصاعد المؤشرات الميدانية والسياسية التي توحي بأن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة شديدة الخطورة، فالحشودات العسكرية الأميركية البحرية والجوية، والتقارير التي تتحدث عن تجهيز مئات الطائرات الحربية بما فيها الطائرات الشبحية تعكس مستوى عاليا من الاستعداد الذي يتجاوز حدود الضغط السياسي إلى التلويح الجدي باستخدام القوة إذا ما فشلت المسارات الدبلوماسية مع إيران.
إن تكثيف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لا يقرأ بمعزل عن سياق الردع الاستراتيجي لكنه في الوقت ذاته يرسل رسالة واضحة بأن خيار الحرب لم يعد مستبعدا، فواشنطن تعتمد تاريخيا سياسة "الضغوط العسكرية" لفرض شروطها التفاوضية، إلا أن حجم الحشود الأمريكية يوحي بأن الأمر ليس مجرد استعراض قوة فقط، وفي المقابل ترى طهران أن أي تراجع جذري في ملفاتها السيادية وعلى رأسها البرنامج النووي ونفوذها الإقليمي قد يهدد توازناتها الداخلية والإقليمية ما يجعلها أكثر تمسكا بمواقفها رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
ومن أبرز المؤشرات التي تعزز فرضية اقتراب المواجهة قيام عدة دول بسحب دبلوماسييها من إيران وإسرائيل، إلى جانب دعوات رسمية لرعاياها بمغادرة إيران وإسرائيل ولبنان، بل وحتى مناشدة بعض الدول لمواطنيها بمغادرة الشرق الأوسط بأسرع وقت، هذه الإجراءات لا تتخذ عادة إلا عندما تتوافر تقديرات استخباراتية لدى الدول بوجود خطر أمني وشيك وهو ما يعكس قلقا دوليا حقيقيا من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود الصراع التقليدي.
يتزامن هذا التصعيد مع تسريبات حول جولة المفاوضات الثالثة في جنيف، والتي كشفت عن فجوة كبيرة بين المطالب الأميركية والردود الإيرانية، فبينما تسعى واشنطن إلى قيود صارمة ودائمة على البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي تصر إيران على رفع العقوبات وضمانات أمنية واحترام سيادتها، هذه الفجوة لا تعني فشل المفاوضات فحسب، بل تشير إلى صراع إرادات حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة حتى لو كان ذلك عبر استعراض القوة.
رغم خطورة المؤشرات فإن اندلاع حرب شاملة ليس خيارا سهلا لأي من الأطراف، فالمواجهة المباشرة قد تشعل المنطقة بأسرها وتهدد إمدادات الطاقة العالمية وتفتح جبهات متعددة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، كما أن كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا قد تكون باهظة على الجميع، لذلك يمكن القول إن ما يجري هو مزيج من الضغط العسكري والتفاوض السياسي حيث تستخدم القوة كأداة لتحسين شروط التفاوض وليس بالضرورة كخيار نهائي للمواجهة.
وبين الردع والانفجار يبقى الشرق الأوسط اليوم معلقا بين سيناريوهين،، الردع المتبادل الذي يفضي إلى تسوية مؤقتة تحفظ ماء الوجه للجميع،، او الانفجار الإقليمي الذي قد يبدأ بضربة محدودة ويتوسع إلى مواجهة شاملة وفي ظل هذا المشهد الضبابي تبقى الشعوب هي الحلقة الأضعف إذ تدفع دائما ثمن الصراعات الكبرى بينما ترسم خرائط النفوذ على حساب استقرارها وأمنها، وطبول الحرب إن كانت تقرع فهي ليست حربا على أرض أو حدود فقط بل صراع على النفوذ والردع والطاقة والتوازنات الدولية السياسية والعسكرية، وما بين التهديد والتفاوض يقف العالم مترقبا، فيما يبقى السؤال مفتوحا هل تنتصر الدبلوماسية في اللحظة الأخيرة أم أن المنطقة على موعد مع مواجهة إقليمية واسعة.

تعليقات
إرسال تعليق