لا يمكن قراءة الحرب الأمريكية – الصهيونية على إيران باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم وفرض نموذج سياسي تابع يخدم الهيمنة الغربية. غير أن ما جرى على أرض الواقع خلال هذه الحرب كشف عن حقيقة مختلفة تماماً، إذ تبين أن هذه الحرب تفتقر إلى الشرعية السياسية والأخلاقية، وأنها أخفقت في تحقيق أهدافها المعلنة.
أول ما يلفت الانتباه هو أن هذه الحرب لم تحظ بإجماع داخلي حتى داخل الدول التي شنتها. ففي الداخل الأمريكي برزت قطاعات واسعة من الرأي العام، إلى جانب عدد من السياسيين والمفكرين، تعارض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان. هذا الرفض يعكس تحولات عميقة في المزاج الاجتماعي الأمريكي، حيث باتت قطاعات متزايدة ترى أن الحروب الخارجية تخدم مصالح المجمع الصناعي العسكري أكثر مما تخدم الأمن القومي الأمريكي.
أما داخل الكيان الصهيوني نفسه، فقد شهد حالة من الانقسام والتشكيك بين المستوطنين الصهاينة في جدوى الحرب. فالتجربة التاريخية أثبتت أن المغامرات العسكرية الكبرى لا تحقق بالضرورة الأمن الذي تعد به القيادات السياسية، بل قد تفتح أبواباً لمخاطر استراتيجية طويلة المدى.
الهدف الأول المعلن لهذه الحرب كان إسقاط النظام الإيراني واستبداله بنظام تابع للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، على غرار النظام الذي كان قائماً في عهد الشاه قبل الثورة الإسلامية عام 1979. غير أن هذا الهدف اصطدم بواقع مختلف، فالنظام الإيراني، رغم تلقيه الضربة الأولى، لم ينهر كما توقع مخططو الحرب، بل تمكن من امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم قدراته السياسية والعسكرية بسرعة لافتة.
من منظور علم الاجتماع السياسي، يعود ذلك إلى طبيعة البنية السياسية للنظام الإيراني، الذي يستند إلى مزيج من الشرعية الثورية والمؤسساتية، إضافة إلى شبكة واسعة من التعبئة الاجتماعية والأيديولوجية. هذه العوامل مجتمعة منحت الدولة الإيرانية قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية الخارجية.
أما الهدف الثاني فكان القضاء على المنظومة الصاروخية الإيرانية التي تشكل أحد أعمدة الردع الاستراتيجي في المنطقة. غير أن مجريات الحرب أثبتت عكس ذلك تماماً، إذ استمرت إيران في استخدام ترسانتها الصاروخية المتطورة، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة، لضرب القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وكذلك أهداف متعددة داخل الكيان الصهيوني. هذا الواقع كشف أن القدرة العسكرية الإيرانية لم تشل كما كان مخططاً لها.
الهدف الثالث تمثل في تدمير البرنامج النووي الإيراني والحصول على اليورانيوم المخصب. لكن هذا الهدف أيضاً لم يتحقق، حيث بقيت البنية الأساسية للبرنامج النووي قائمة، وهو ما يعني أن الحرب لم تنجح في إزالة أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية لإيران.
أما الهدف الرابع فكان القضاء على القدرات العسكرية لحلفاء إيران في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق. غير أن هؤلاء الحلفاء لم يختفوا من المشهد، بل استمروا في أداء أدوارهم العسكرية والسياسية، بل إن بعضهم انخرط بشكل مباشر في دعم إيران خلال هذه المواجهة.
ومن هنا تكشف هذه الحرب مرة أخرى حدود القوة العسكرية حين تستخدم لفرض الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية. فالتاريخ الحديث للمنطقة يثبت أن الشعوب التي تمتلك إرادة الاستقلال قادرة على امتصاص الضربات الكبرى وإعادة إنتاج قوتها السياسية والعسكرية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن القيادة الأمريكية ممثلة في دونالد ترامب، والقيادة الصهيونية ممثلة في بنيامين نتنياهو، لم تنجحا في تحقيق الأهداف التي أعلنت من أجلها هذه الحرب. بل إن ميزان النتائج يشير إلى أن إيران تمكنت من الصمود وإعادة فرض معادلة ردع جديدة.
الأكثر دلالة هو أن إيران اليوم تتعامل مع مسألة العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة نسبية، إذ تؤكد أنها لن تعود إلى أي مسار تفاوضي إلا وفق شروطها الخاصة، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في ميزان القوة السياسي في الإقليم.
وهكذا تكشف هذه الحرب، من منظور علم الاجتماع السياسي، أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإخضاع الدول والمجتمعات التي تمتلك بنية سياسية متماسكة وإرادة سيادية، وأن مشاريع الهيمنة مهما بلغت قوتها قد تنتهي إلى الفشل عندما تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي قادر على المقاومة والصمود، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد

تعليقات
إرسال تعليق