"حرب العقول قبل الصواريخ… كيف تصنع المعلومة الهزيمة أو الانتصار؟"

كتبت .. اللواء علي حسن ذكي 

لم تكن الصواريخ الإسرائيلية وحدها هي التي حسمت معارك سابقة ضد قيادات حزب الله في جنوب لبنان، رغم أنها دمّرت لاحقًا جزءًا كبيرًا من قدراته العسكرية. فالروايات المتداولة آنذاك تشير إلى أن العامل الحاسم كان اختراقًا استخباريًا دقيقًا.
فقد جرى – بحسب ما تم تداوله – دس أجهزة اتصال عبر شركة تجارية تعمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية، وتم تفخيخ تلك الأجهزة بمواد شديدة الانفجار وربطها بآلية تفجير عن بُعد. وبمجرد الضغط على زر واحد تم التفجير في توقيت متزامن، ما أدى إلى سقوط عدد من القيادات في أماكن متفرقة في اللحظة نفسها.
كانت تلك العملية مثالًا واضحًا على أن حرب العقول الاستخبارية قد تسبق الصواريخ وتحدد نتيجتها.

الأمر ذاته يتكرر في الحديث عن الضربات التي تعرضت لها إيران في حرب سابقة، حيث لم تكن الصواريخ وحدها هي التي أصابت القيادات العسكرية أو دمرت شبكات الرادار ومنصات إطلاق الصواريخ التابعة لسلاح الجو، بل سبق ذلك – وفق ما تردد – اختراق استخباري مكّن من إرسال الإحداثيات الدقيقة للأهداف.
وهو ما يعكس معادلة واضحة: تفوق استخباري يقابله ضعف أو غرور لدى الطرف الآخر، لتتحول الحرب إلى صراع عقول قبل أن تكون صراع سلاح.

وفي سياق الحرب الحالية، تتكرر الروايات المتداولة عن أن اغتيال المرشد الإيراني وعدد من القيادات والخبراء لم يكن نتيجة ضربة عسكرية عشوائية، بل نتيجة معلومات دقيقة حصلت عليها أجهزة استخبارات معادية. وتشير بعض التسريبات إلى أن أحد الضباط الإيرانيين المتعاونين كشف موقع الاجتماع، قبل أن يقدم لاحقًا على الانتحار بعد انكشاف أمره.
وهكذا يتكرر المشهد ذاته: اختراق دقيق يقابله خلل في تقدير المخاطر.

وفي المقابل، لم يكن تفوق إيران العسكري وحده هو ما مكّنها في بعض الأحداث من أسر جنود من مشاة البحرية الأمريكية أو جنود أمريكيين قرب حدودها، بل كان ذلك – وفق ما يتم تداوله – نتيجة أخطاء في التقدير لدى الطرف الآخر، وهو ما قد تستخدمه طهران كورقة تفاوضية في أي محادثات مستقبلية.

وبيت القصيد من استعراض هذه الوقائع – بصرف النظر عن مدى دقتها الكاملة – هو أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالمعلومة والاستخبارات وحسن تقدير الموقف.
ومن هنا تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الأطراف السياسية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، قد تعرضت بدورها لاختراقات أو وقعت في فخ الغرور وسوء التقدير، بالنظر إلى التطورات التي تشهدها أوضاعه الحالية، وهي تطورات لا تسرّ صديقًا قبل أن تُرضي خصمًا.

كما أن الحرب الدائرة في المنطقة قد تكون مقدمة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، بحيث يمتلك المنتصر النفوذ الأكبر في إدارة ثروات المنطقة ومقدراتها وممراتها الاستراتيجية، بينما يتحول الآخرون إلى منافسين تحت سقف التوازنات التي يفرضها المنتصر.

وفي ظل هذه التحولات، قد يتراجع اهتمام المجتمعين الدولي والإقليمي بقضية شعب الجنوب، مع انشغال القوى الكبرى بتداعيات الحرب ونتائجها والتحالفات التي ستنشأ بعدها، وكل طرف يسعى للحفاظ على موقعه في النظام الإقليمي والدولي الجديد.

ومع ذلك، فإن قضية الجنوب قد تكون جزءًا من هذه الخريطة الجديدة، نظرًا لما يتمتع به من ثروات وموقع جيوسياسي مهم، خاصة مع وجود موانئه ومياهه الاستراتيجية وعاصمته عدن كمركز مهم للتجارة الدولية ومرور الطاقة.
لكن أي حل محتمل قد لا يأتي بالضرورة وفق رؤية المجلس الانتقالي أو قيادته، وربما يُفرض وفق مصالح القوى المنتصرة وتحالفاتها الجديدة.

في النهاية، يبدو أن المرحلة الراهنة هي زمن حرب العقول قبل السلاح؛ زمن يتطلب قراءة دقيقة للواقع الإقليمي والدولي، وبحثًا عن حلول وطنية ناضجة تراعي التاريخ والجغرافيا وموازين القوى، انطلاقًا من حقيقة أن الجنوب جزء من محيطه الإقليمي والدولي، ولا يمكن فصل مستقبله عن التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة.


تعليقات