إقالات الجيش والوزراء إدارة ترامب تنهار... أرادها لإيران فوقع فيها .. !!!

 


ميخائيل عوض  / لبنان 

في ارتداد الاستراتيجية الترامبية  

من هندسة السقوط إلى السقوط بالهندسة نفسها.

وفي لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تسقط القوى بفعل ضربات خصومها بقدر ما تنهار تحت وطأة أخطائها الاستراتيجية. هذه القاعدة، التي رافقت أفول الإمبراطوريات من روما إلى الاتحاد السوفييتي، تعود اليوم لتطرح نفسها بقوة في سياق الحرب الدائرة، حيث انقلبت الاستراتيجية التي صاغتها إدارة  ترامب تجاه إيران على صاحبها.

فبعد أن بُنيت المقاربة الأمريكية على فرضية مركزية مفادها أن الضغط المركب (عسكري–اقتصادي–نفسي) كفيل بإحداث انهيار داخلي في إيران، عبر تفكيك البنية القيادية

مما يحفز الانقسام الاجتماعي

ويدفع الشارع نحو الانفجار

وبالتالي استدراج النظام إلى أخطاء قاتلة.

غير أن ما تكشفه الوقائع الميدانية والسياسية يشير إلى نتيجة معاكسة تمامًابدل أن تُسقط الضغوط النظام الإيراني، أعادت إنتاجه بصورة أكثر صلابة وتماسكًا، وبدل أن تنفجر إيران من الداخل، بدأت التصدعات تظهر داخل البنية الأمريكية ذاتها.

فكيف ولماذا انقلبت الاستراتيجية الأمريكية من مشروع لإسقاط إيران إلى مسار يهدد بتفكيك التوازن الداخلي في الولايات المتحدة نفسها؟ 

*أولًا: من “القضاء على حزب الله” إلى “إنشاء منطقة آمنة” – تحوّل المسار الميداني* 

نؤكد من قراءة الميدان،  في لبنان أن الهدف الإسرائيلي–الأمريكي الذي كان تجريد “رجال الله” من السلاح

ثم تطور إلى محاولة السيطرة المباشرة هو اليوم وبفعل الأداء القتالي الأسطوري للمقاومة  يتقلص إلى إنشاء منطقة عازلة مدمرة وسينتهي بانسحاب كامل وبهزيمة واضحة

إن هذا الانتقال من أهداف كبرى (إسقاط، تجريد، احتلال) إلى أهداف دنيا (تدمير، إنهاك، مناطق عازلة) هذا التحول يعني أن إسرائيل انتقلت من:

"وهم سيطرة" إلى "إدارة عجز" 

وهو مؤشر مبكر على فشل الرؤية الأصلية للحرب عبر قدرة المقاومة على ممارسة التضليل الاستراتيجي الكامل في ظل بيئة من التجسس والضغط والتآمر وهو ما كان عامل الصدمة في الحرب. 

*ثانيًا: إيران – الفشل في قراءة المجتمع – خطأ التقدير الحاسم”* 

اعتمدت المقاربة الأمريكية على نموذج سبق استخدامه في حالات أخرى، يقوم على:

الصدمة القيادية (اغتيالات، استهداف مراكز القرار)، العزل الاقتصادي الخانق، الحرب النفسية والإعلامية، الرهان على “الكتلة الرمادية” داخل المجتمع 

هذا النموذج بحسب التجربة الأمريكية  يفترض أن الأنظمة  بعد سنوات من الإنهاك والحصار تحمل هشاشة بنيوية قابلة للانفجار عند تعرضها لضغط مركب. غير أن هذه الفرضية أغفلت خصوصيات الحالة الإيرانية، وأهمها:

- التفاف الأمة الإيرانية وتنحية الخلافات عند الخطر الخارجي.

- الطبيعة العقائدية للنظام

- الطبيعة الولائية لجمهور الولي الفقيه

- تماسك النخبة الحاكمة عند التهديد الوجودي

- خبرة تاريخية في إدارة الأزمات والحصار.

وبدل الانهيار، أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضربة الأولى، إعادة تنظيم القيادة بسرعة، تعزيز دور التيار الأكثر صلابة (الحرس الثوري)، 

تحويل التهديد الخارجي إلى أداة تعبئة داخلية

*ثالثًا: الارتداد الإيراني – من الدفاع إلى استراتيجية الدفاع الهجومي* 

يمكن توصيف سلوك إيران العسكري في الحرب ضمن ما يُعرف بـ: استراتيجية “الدفاع الهجومي”حيث لا يتم الرد عبر التماثل، بل عبر:

- توسيع ساحات الاشتباك

- استهداف مصالح الخصم بشكل غير مباشر

- الحفاظ على سقف محسوب من التصعيد

- ضرب المصالح الأمريكية في الخليج

- تهديد/تعطيل الملاحة في مضيق هرمز

- توسيع مسرح الاشتباك دون إعلان حرب شاملة

وهذا فعل مهم بلا شك 

لكن السؤال المهم :

لماذا لم تستخدم إيران كامل قدراتها حتى الآن؟ ولماذا البقاء على قاعدة الرد على الضربة بأخرى؟ ويقدم احتمالين:

إما حسابات ضبط التصعيد

أو انتظار لحظة الضربة الكاسرة

إيران التي تملك القدرة، لكنها لم تنتقل بعد إلى "عقيدة الحسم الشامل" 

وهنا نلفت إلى قاعدة أساسية في العلوم العسكرية وهي أن يدفع المقاتل عدوه لحساب التكلفة، تكلفة استهدافه للجسور، للجامعات، للبنى التحتية فلو أن إيران قابلت كل اعتداء على بنيتها بضربة قاصمة على المصالح الأمريكية والإسرائيلية لكانت ضمنت لنفسها فاتورة تدمير أقل في بنيتها. 

*رابعًا: انتقال الأزمة إلى الداخل الأمريكي – أرادها لإيران فوقع فيها*

لا يُقرأ الفشل في تحقيق أهداف الحرب بوصفه نهاية مسار، بل كبداية لمرحلة أكثر خطورة تتمثل في ارتداد الصدمة الاستراتيجية إلى المركز الأمريكي ذاته. فالحرب التي صُممت لتفجير الخصم من الداخل، تُنتج ديناميات تفجير داخلية في الولايات المتحدة، عبر سلسلة تفاعلات متراكبة من تصاعد الانقسام السياسي إلى مستويات تهدد قابلية النظام للتوافق، واحتدام التوتر بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية بما يعكس اهتزاز “العقد الوظيفي” الذي يحكم العلاقة بين القرار والسيادة الميدانية، واتساع رقعة الاحتجاجات بما يحوّل الشارع من متلقٍ للسياسات إلى فاعل ضاغط عليها، وتآكل الثقة بالمؤسسات بوصفها حَكَمًا ضامنًا للاستقرار. ضمن هذا الإطار، لا تعود هذه الظواهر منفصلة أو ظرفية، بل تتكثف كدلائل على تحول نوعي في طبيعة الأزمة من حرب تُدار على أطراف الدولة الأمريكية إلى أزمة تضرب في عمق بنيتها الداخلية. أي أن أدوات الضغط التي استُخدمت خارجيًا—الصدمة، الاستنزاف، تفكيك التماسك—بدأت تعمل عكسيًا داخل المركز، ما يشير إلى دخول الولايات المتحدة، طورًا تتراجع فيه قدرتها على الفصل بين الجبهة الخارجية والجبهة الداخلية، وتصبح فيه كلفة إدارة الصراع في الخارج مساوية—أو ربما أعلى—من كلفة احتوائه في الداخل. 

*خامسًا: الإقالات في زمن الحرب – من اضطراب القرار إلى تفكك العقل المؤسسي* 

لا يمكن التعامل مع قرارات  ترامب بإقالة قيادات عسكرية وأمنية خلال ذروة الاشتباك بوصفها مجرد إعادة ترتيب إداري، بل هي مؤشر عميق على خلل بنيوي في منظومة اتخاذ القرار. فوفق أبجديات العلوم العسكرية، كما نستحضرها ، تقوم إدارة الحروب على مبدأ ثابت: “في الحرب لا يبدّل القائد أحصنته”، أي الحفاظ على الاستقرار القيادي لضمان تماسك الرؤية واستمرارية التنفيذ. وعليه، فإن كسر هذه القاعدة لا يعكس ديناميكية إصلاح، بل يكشف عن تصدع داخل مركز القرار نفسه، حيث تتغلب الإرادة السياسية المزاجية على التقدير العسكري المهني، ويتحول الخلاف من نقاش داخلي مضبوط إلى صراع مفتوح بين منطقين: منطق الميدان القائم على الحسابات الواقعية، ومنطق القيادة السياسية الساعي لفرض تصورات مسبقة حتى لو تعارضت مع معطيات الواقع. في هذا السياق، تصبح الإقالات أداة لإقصاء “العقل العسكري الواقعي” الذي يقيّم الكلفة والمخاطر، واستبداله بعقلًا افتراضيًا يتعامل مع الحرب كامتداد للخطاب لا كحقيقة مادية. والنتيجة الاستراتيجية لذلك لا تقتصر على إضعاف الأداء العملياتي، بل تمتد إلى إحداث اهتزاز في ثقة المؤسسة العسكرية بذاتها وبقيادتها السياسية، ما يفتح الباب أمام تفكك تدريجي في البنية المؤسسية التي تُعدّ أحد أعمدة القوة الأمريكية، ويحوّل القرار الحربي من عملية مؤسسية منضبطة إلى تعبير عن نزعة فردية غير قابلة للضبط أو التنبؤ. 

*سادسًا: من الردع إلى التدمير – تحوّل العقيدة الأمريكية* 

إن الإقالات في الجيش والوزراء داخل بنية الهرم المؤسساتي الأمريكي تدلل على أن ترامب أخذ قرارا لا رجعة عنه بأن يذهب في خوض هذه الحرب إلى النهاية مهما بلغ حجم التحذيرات من الخبراء وكل من يقف في وجهه يقيله عن موقع المسؤولية. وبالتالي لم تعد الاستراتيجية الأمريكية تهدف إلى ردع الخصم أو احتوائه بل تحولت إلى محاولة تدمير شامل لبنية المنطقة

لأن ما يقوم به ترامب يعكس

فقدان الثقة بالمؤسسة العسكرية وصراع بين “السياسي” و”العسكري”

وانتقال القرار إلى عقل غير مهني. 

إن استبدال القادة الحقيقيين بـ"لاعبي حرب افتراضية" لدوافع عند ترامب الذي أدرك أنه خسر هذه الحرب ويريد أن يخرج من المنطقة وقد تركها مدمرة تماما وذلك في محاولة:

- إضعاف الصين عبر الطاقة

- رفع كلفة إعادة الإعمار

- فرض واقع جيوسياسي جديد قبل الانسحاب

وهذا يعكس انتقالًا من 

استراتيجية السيطرة إلى استراتيجية الفوضى. 

*سابعًا: قانون انقلاب الأطراف على المراكز* 

من أهم الرؤى المنهجية  لهذه الحرب أن 

الأطراف لم تعد مجرد ساحات صراع، بل أصبحت فاعلًا يؤثر في المراكز حيث أصبحت

أزمات الشرق الأوسط تؤثر مباشرة في الداخل الأمريكي، 

وبات الفاعلون الإقليميون قادرين على إرباك القوة العظمى

هذا التحول يشير إلى تآكل نموذج الهيمنة الأحادية وبداية تشكل منظومة أكثر تعقيدًا وتعددًا .

وهذا ما يظهر في حرب غزة وتأثيرها في الرأي العام الغربي

والحرب الجارية الآن كعامل ضغط على الداخل الأمريكي.

*ثامنًا:من فخّ إيران إلى مأزق   سقوط الإمبراطورية* 

ومن هنا نستحضر  نمطًا تاريخيًا تكراريًا في عمر الإمبراطوريات 

فبعد أن تصل  إلى ذروة قوتها

تتحول إلى سلوك تدميري و

تفقد القدرة على الحساب 

لتعيش في "وهم القوة"

وهنا يشبّه الحالة الأمريكية بـ:

"إمبراطورية في لحظة الشيخوخة الاستراتيجية"

تكشف المعطيات أن ما صُمم كفخ لإيران تحول إلى فخ استراتيجي للولايات المتحدة نفسها ويمكن تلخيص المسار في أربع مراحل

1. *مرحلة التخطيط* 

افتراض هشاشة الخصم

والثقة المفرطة بالقدرة على التحكم بالتصعيد. 

2. *مرحلة التنفيذ* 

عبر توجيه ضربات مركزة

وتصعيد محسوب ظاهريًا. 

3. *مرحلة الانعكاس* 

فشل تحقيق الأهداف وتماسك الخصم بدل انهياره 

4. *مرحلة الارتداد* 

عبر انتقال التوتر إلى الداخل الأمريكي وبدء تفكك في بنية القرار وتصاعد الأزمة السياسية والاجتماعية. 

إن ما نشهده ليس مجرد فشل تكتيكي، بل اختلال في بنية التفكير الاستراتيجي الأمريكي

حيث أدت القراءة الخاطئة للخصم إلى الاعتماد على نماذج غير ملائمة وتغليب الإرادة السياسية على الحسابات الواقعية إلى نتيجة معاكسة تمامًا. 

بناءً على ذلك، نرسم  ثلاثة مسارات محتملة لأفق المرحلة القادمة:

1. *التصعيد المفتوح* 

محاولة تعويض الفشل عبر توسيع الحرب بالتدمير والتوحش لا بتحقيق إنجاز عسكري وهذا يحمل خطر الانفجار الإقليمي الشامل. 

2. *الاحتواء الاضطراري* 

إعادة ضبط الاستراتيجية والبحث عن تسويات و يتطلب تراجعًا سياسيًا صعبًا يبدو أن قرار ترامب بإقالة ضباطه ووزارء حكومته يجعله غير وارد الآن. 

3. *الارتداد بالتفكك الداخلي* 

إن تفاقم الأزمة داخل الولايات المتحدة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي. فعندما تفشل القوة في فهم حدودها، تتحول من أداة للهيمنة إلى عامل في تسريع أفولها وأمريكا وفق هذه القراءة دخلت في طور التراجع البنيوي. 


لا يمكن قراءة ما يجري بوصفه مجرد تعثر في إدارة حرب، بل كتحول عميق في قواعد إنتاج القوة ذاتها. فالمسار الذي بدأ بمحاولة  ترامب فرض معادلة إخضاع على إيران، انتهى وفق هذا التصور إلى كشف حدود القدرة الأمريكية على التحكم بمآلات الصراع، بل وإلى انكشاف قابلية هذه الاستراتيجية للارتداد على مركزها.

لقد أظهرت الوقائع، كما عرضناها، إن أدوات الهيمنة التقليدية—الضغط العسكري، العقوبات، الحرب النفسية—لم تعد كافية لإنتاج الانهيار في بيئات تمتلك بنى عقائدية وتنظيمية متماسكة، بل قد تتحول إلى عوامل تعزيز للمناعة الداخلية. وفي المقابل، فإن الإفراط في استخدام هذه الأدوات دون ضبط استراتيجي يؤدي إلى نتيجة معاكسة بنقل التوتر من الأطراف إلى المركز، بحيث تصبح القوة المهيمنة نفسها عرضة لارتدادات ما أطلقته من ديناميات صراع.

ضمن هذا الإطار، تتكشف الحرب الحالية كحالة نموذجية لـ: انفصال القرار السياسي عن العقل المؤسسي، وتحوّل الاستراتيجية من أداة ضبط إلى مولّد للفوضى. فالإقالات، التوترات الداخلية، وتصاعد الانقسام المجتمعي في الولايات المتحدة، ليست ظواهر عابرة، بل تعبير عن دخول النظام الأمريكي في مرحلة إعادة تشكّل قسرية، حيث تتآكل الحدود بين الجبهة الخارجية والداخلية، وتتراجع قدرة الدولة على احتكار تعريف المصلحة الوطنية وإدارتها.

الأهم من ذلك، أن هذه الحرب أسست—ولو بشكل أولي—لقاعدة جديدة في العلاقات الدولية: الأطراف لم تعد مجرد ساحات تُدار من الخارج، بل تحولت إلى فاعلين قادرين على التأثير في استقرار المراكز نفسها. وبذلك، لم يعد الصراع يدور حول من يملك أدوات القوة فقط، بل حول من يستطيع إدارة التعقيد، ومن يتحمل كلفة الاستنزاف الطويل

ومن ينجح في منع ارتداد أزماته إلى داخله.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الفخ الذي نُصب لإيران لم يُغلق ضمن حدودها، بل أعاد رسم مسار الصراع بحيث فشل في تحقيق هدفه المباشر وفتح في المقابل مسارًا غير محسوب لتآكل التماسك داخل القوة التي صاغته.

وفق هذا المنظور، لا يتجه العالم نحو استقرار بديل سريع، بل إلى مرحلة سيولة استراتيجية

تتصاعد فيها الحروب غير المحسومة وتتزايد ارتدادات الأزمات عبر الحدود. 

🖊 ميخائيل عوض

تعليقات