ميخائيل عوض / لبنان
تنطلق رؤيتنا من تعريف المفاوضات بوصفها امتدادًا للحرب.
ومن إعادة تعريف موقع التفاوض ضمن ديناميات الصراع المسلح، من خلال مقاربة تعتبر أن التفاوض ليس نقيضًا للحرب بل أحد أدواتها، وترى في الميدان العسكري المحدد الأساسي لمسارات التفاوض ونتائجه، بالاستناد إلى أمثلة تاريخية ومعاصرة، من معركة قادش إلى الحرب في أوكرانيا، لتطوير نموذج تفسيري يدمج بين القوة الصلبة والمرونة السياسية.
إن التفاوض في الحروب المركبة يمثل آلية لإدارة الصراع لا لإنهائه، وأن الهدن تشكل مراحل انتقالية في مسار صراعي أطول مرتبط بتحولات الميدان.
*أولًا: التفاوض في التاريخ: الاستمرارية البنيوية*
يُظهر التاريخ ، أن التفاوض لم يكن يومًا خارج بنية الحرب، بل هو جزء مكوّن من ديناميتها الداخلية.
فمثلاً معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد بوصفها لحظة تأسيسية في هذا المسار، باعتبارها نموذجًا مبكرًا لحرب كبرى انتهت إلى تنظيم العلاقة بين الخصوم عبر اتفاق مُلزم. في هذه الواقعة، لا يركّز الطرح على تفاصيل الحسم العسكري بقدر ما يسلّط الضوء على ما أعقبها من إقرار مبدأ التفاوض كجزء من إدارة الصراع، وصولًا إلى ما يعتبره أول عقد صلح “أممي” نظّم العلاقات بين الأطراف المتحاربة، ووضع أسسًا استمر تأثيرها حتى اليوم.
ضمن هذا الإطار، وفي هذه القراءة تعتبر أن ما جرى في قادش لم يكن انتقالًا من الحرب إلى السلام، بل انتقالًا من الحرب المفتوحة إلى الحرب المنظمة، حيث أُعيد ضبط الصراع عبر قواعد تضبط سلوك الأطراف دون أن تنهي التناقضات بينها.
ومن هنا، يخلص إلى أن التفاوض ليس فعلًا استثنائيًا أو طارئًا، بل هو أداة من أدوات الحرب نفسها، تُستخدم عندما تصل المواجهة إلى لحظة تحتاج فيها القوى المتصارعة إلى إعادة ترتيب أوراقها، أو تثبيت مكاسبها، جس نبض واقع الخصم عن قرب أو تجنّب كلفة إضافية دون التخلي عن أهدافها.
وبناءً عليه، تشير هذه السابقة إلى ثلاث خلاصات مركزية: أولًا، أن التفاوض جزء أصيل من إدارة الصراع وليس تعبيرًا عن نهايته؛ ثانيًا، أن التسويات لا تُنهي الحرب بل تعيد تنظيمها ضمن أشكال أقل مباشرة، ما يبقي إمكانية تجددها قائمة؛ وثالثًا، أن ما يُعرف اليوم بالقانون الدولي وقواعد التفاوض ليس إلا امتدادًا تاريخيًا لتلك اللحظة التأسيسية، أي أنه نتاج موازين القوى التي فرضت نفسها في الميدان، وليس منظومة مستقلة عنه. بهذه الرؤية، يغدو التفاوض تعبيرًا سياسيًا عن نتائج القوة، لا بديلًا عنها.
*ثانيًا: تفكيك ثنائية “التفاوض" يعني "الهزيمة”*
والتركيز على تفكيك فكرة شائعة في الخطاب العربي مفادها أن التفاوض يعني الهزيمة، إذ لطالما ارتبط مفهوم التفاوض في الأدبيات السياسية العربية بدلالات سلبية، غالبًا ما تحيل إلى الهزيمة أو التراجع. إلا أن هذا الفهم يتعرض لتحديات جدية في ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث تتداخل أدوات الحرب الصلبة مع آليات التفاوض في إطار ديناميكي معقد.
في هذا السياق، تبرز أطروحتنا التي تعتبر أن التفاوض ليس خروجًا من الحرب، بل انتقالًا داخلها من نمط إلى آخر.
تستندهذه المقاربة للحرب إلى أطروحة كارل فون كلاوزفيتز التي ترى أن: "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى"
وبناء عليه فالمعادلة الاستراتيجية: التفاوض هو أداة من أدوات الحرب، والهدنة فعل حربي وإجراء تكتيكي لإعادة التموضع، أما السياسة فهي امتداد للميدان بوسائل أخرى.
هذا التحول المفاهيمي يعكس
تداخل المجالين العسكري والسياسي وانهيار الفصل التقليدي بين الحرب والسلام
وذلك إثر صعود نماذج "الحرب الهجينة" و"الصراعات المركبة".
*ثالثًا: الميدان مرجعية التفاوض و سيد الكلام...*
أحد أهم المرتكزات التي نؤسس عليها الطرح أن
"المفاوض ليس إلا ناطقًا باسم الميدان" أي أن نتائج التفاوض لا تُصنع على الطاولة، بل تُفرض من ميزان القوى على الأرض ويتم إسقاط نتائجها على طاولة المفاوضات.وهنا نشير الى محدودية الفاعل التفاوضي
المفاوض ليس صانع القرار النهائي، بل ناقل لنتائج الميدان.
وهذا يقود إلى ثلاث نتائج استراتيجية:
- لا قيمة لأي اتفاق دون سند ميداني
- الهدن المؤقتة لا تعني نهاية الحرب
- الانتصار يُقاس بمنع العدو من تحقيق أهدافه.
كما ينتقد عوض المقاربات التي تختزل التفاوض في كونه
خيانة أو استسلامًا.
ويبين أن هذا الفهم يتجاهل تعقيد الصراعات الحديثة
ويعمم تجارب تاريخية خاصة
فيعجز عن تفسير سلوك القوى الكبرى.
*رابعًا: حرب أوكرانيا كنموذج تفسيري*
الحرب في أوكرانيا كحجة مضادة إذ تمثل الحرب في أوكرانيا نموذجًا معاصرًا لتكامل الحرب والتفاوض.
فسنوات من التفاوض لم تعنِ هزيمة روسيا ولم تكن تعيب روسيا بل كانت إدارة للصراع
وإعادة تموضع واختبار للنوايا
وكان هنام استمرار العمليات العسكرية رغم جولات تفاوض متعددة بل استخدام التفاوض كأداة لإدارة التصعيد وبقي غياب الحسم النهائي رغم طول أمد المواجهة وحتى اليوم.
هذا النموذج من التفاوض في الحروب الكبرى لا يعني نهايتها، بل إعادة تشكيل مساراتها. التفاوض في الحروب الكبرى سلوك طبيعي للقوى الصاعدة وليس علامة انهيار.
*خامسًا: باكستان كمتغير استراتيجي مفصلي*
مع منحنا أهمية خاصة لـ باكستان فهي الدولة النووية السنية المسلمة التي
لم تعترف بإسرائيل بل وبدأت تصدر خطابًا أكثر حدة مواقف صلبة تجاه التوحش الأمريكي الإسرائيلي وفي هذا دلالة استراتيجية أن دخول باكستان الفعلي في المعادلة يعني
توسيع الطابع الإسلامي للصراع
وتعزيز العمق الاستراتيجي للمحور إضافة إلى نقل التوازن من إقليمي إلى عالمي. خاصة مع محور أوراسي صاعد
(الصين،روسيا،إيران،باكستان)
في مواجهة محور أنغلوساكسوني هرم وبلغ أعلى درجات التوحش.
وفي الخلاصة إن
ما يجري ليس تعديلًا للنظام الدولي ولادة عالم جديد بالكامل، حيث يسقط النموذج الأنغلوساكسوني ويصعد نموذج متعدد الأقطاب، تتغير فيه خرائط القوة والهوية.
فالمعادلة النهائية
بأن الحرب مستمرة…
والتفاوض أحد ميادينها…
والحسم لن يكون إلا في الميدان.
*سادسًا: 4 سيناريوهات مستقبلية*
هذه الهدنة نفسها تحمل في طياتها احتمال التحول إلى
*هدنة مؤقتة* تُستخدم لإعادة التموضع، وإعادة بناء القدرات، وتقييم نتائج الاشتباك، ما يعني أن توقف النار لا يعكس إرادة إنهاء الحرب بقدر ما يعكس حاجة تكتيكية لإدارتها.
وربما تكون *- خدعة استراتيجية* حيث قد يلجأ الخصم— استنادًا إلى سوابق تاريخية—إلى استخدام التفاوض كغطاء لإعادة التحشيد والعسكرة، وتحسين الجاهزية، وتهيئة شروط ضربة لاحقة أكثر اتساعًا وفاعلية.
وفي حال فشل الهدنة في تثبيت توازن مستقر، فإن المسار الطبيعي للصراع يتجه نحو *تصعيد لاحق* ، لكن ليس بالضرورة بنفس الأدوات، بل عبر تطوير في الوسائل والتكتيكات، سواء من حيث نوعية السلاح، أو اتساع الجبهات، أو إدخال فاعلين جدد، بما يعكس انتقال الحرب إلى مستوى أعلى من التعقيد.
أما *السيناريو الرابع، وهو الحسم طويل الأمد،* فلا يتحقق—وفق هذا الطرح—إلا عندما تنضج شروط الانتصار في الميدان بشكل واضح، بحيث يُفرض واقع جديد يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية برمتها، ويُنتج منتصرًا ومهزومًا بمعنى تاريخي، لا تكتيكي.
وعليه، فإن هذه السيناريوهات لا تُقرأ كخيارات بديلة، بل كسلسلة مترابطة، قد تبدأ بهدنة، تمر بخداع وتصعيد، وتنتهي بحسم، ما يعزز الفكرة المركزية لدى عوض بأن الحرب لم تنتهِ، بل دخلت طورًا أكثر تركيبًا، يصبح فيه التفاوض أحد ميادينها لا خاتمتها.
لا يمكن فهم هذه الحرب إلا كجزء من مسار تاريخي طويل يعيد تشكيل موازين القوة عالميًا. فالتفاوض، والهدن، والتصعيد، ليست إلا تعبيرات مختلفة عن حالة صراعية واحدة مستمرة، تتبدل أدواتها دون أن يتبدل جوهرها. وعليه، فإن الخطأ المنهجي يكمن في قراءة هذه الظواهر كإشارات نهاية، بينما هي في حقيقتها مؤشرات انتقال من طور إلى آخر داخل الحرب نفسها.
إن مركز الثقل في هذه الرؤية يبقى ثابتًا: الميدان هو الذي يحكم، والتفاوض يترجم ولا يقرر. لذلك، فإن أي محاولة لفهم مآلات الصراع بمعزل عن الوقائع الميدانية تبقى قاصرة، بل ومضللة. فالحروب الكبرى، كما يراها عوض، لا تُحسم بجولة واحدة، ولا تُختزل باتفاق، بل تتراكم عبر مراحل من الاستنزاف، وإعادة التموضع، وتبدل التحالفات، إلى أن تنضج لحظة الحسم.
وفي هذا الإطار، تكتسب الهدن والتفاهمات المؤقتة معناها الحقيقي بوصفها أدوات لإدارة الزمن الاستراتيجي، وليست حلولًا نهائية. كما أن احتمالات الخداع والتصعيد تبقى قائمة، ما يفرض على الفاعلين التعامل مع التفاوض كجزء من ساحة المواجهة، لا كبديل عنها.
فالصراع، في جوهره، لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات، من إعادة إنتاج التوازن إلى الانفجار الشامل.
أما على المستوى الأعمق، فإن ما يجري يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية المباشرة، ليعكس تحولًا في بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم، وفق هذا التصور، لا يتجه نحو إعادة ترتيب داخل النظام القائم، بل نحو ولادة “عالم جديد”، تتغير فيه قواعد القوة، ومراكز القرار، وأنماط الهيمنة.
بناءً على ذلك، يمكن اختصار الخلاصة الاستراتيجية في معادلة مركبة:
"لا هدنة تُنهي الحرب، ولا تفاوض يحسمها، بل ميدانٌ يراكم، وزمنٌ يُنضج، حتى تتقرر النهايات."
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة تسويات بقدر ما ستكون مرحلة اختبار إرادات وقدرات، حيث يُعاد رسم التوازنات على وقع الاشتباك المستمر، إلى أن يفرض أحد الأطراف معادلته النهائية، ويُكتب الفصل الأخير من هذه الحرب المفتوحة بمنتصر واضح لا لبس في انتصاره ومهزوم واضح، أو بتعبير آخر وكما يقوله عوض " هذه الحرب لن تنتهي حتى يسقط أحد الطرفين الآخر تماما"
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق