كلّنا نبحث عن وطنٍ نعيش فيه بأمنٍ وأمان، وخيرٍ وسعادة واطمئنان…
إلا قلةً قليلة، ممن لايهمهم ذلك.
منذ عقود يعيش أبناء الجنوب في رحلة تيه، بعد أن فقدوا وطنًا كان في متناول اليد. فتنازعوا عليه، ثم سُلّم – على طبقٍ من ذهب – في العام 1990، تحت دوافع القومية العربية، والرغبة في تحقيق مشروع الوحدة السياسية اليمنية. فذهب الشعب بكل جوارحه، وبكل إحساسه وعواطفه، وبقناعةٍ كاملة نحو الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية…
قبل أن تنقلب عليها صنعاء، وتحوّلها من وحدة تراضٍ إلى وحدة قوة وضمٍّ وإلحاق، في حرب 1994.
وقد سبق أن تحدثنا عن أسباب ذلك، كما تحدث غيرنا، وكتبتُ شخصيًا حول هذه القضايا في عدة مؤلفات، منها:
كتاب القضية الجنوبية والوحدة اليمنية،
وكتاب الصراع المزمن – خلاصة القضية الجنوبية،
وكتاب الصراعات والحروب وتأثيرها على انهيار الدول والمجتمعات – اليمن والجنوب نموذجًا،
وغيرها من الكتابات.
كما أن الكتاب الذي نعتزم إصداره قريبًا، بعنوان رحلة البحث عن وطن، يتناول هذه المحطات والمواقف التي عشناها وشاهدناها.
وفي هذا السياق، نلاحظ في الشارع الجنوبي وجود فهمٍ خاطئ لدى بعض النخب، بل وحتى لدى من يُعوّل عليهم الخير. حيث انشغل البعض بتسجيل المواقف عبر وسائل التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك، وغيرها)، وتسويق أنفسهم، مقابل التشكيك في مواقف الآخرين.
وقد وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك حتى برفاقهم، لمجرد اختلاف في وجهات النظر، أو حتى بسبب لقاءات اجتماعية عادية، كتناول وجبة عشاء أو غداء مع أحد القيادات الجنوبية، أو زيارة شخصية، أو مجرد نقاش في مسألة قابلة للاجتهاد.
وهنا نؤكد أن الخلاف في وجهات النظر – ما دام في إطار الثوابت – لا يعني التراجع عنها.
فالأصل في الشأن السياسي أن يكون مجالًا للنقاش والاجتهاد، فكل ما يُطرح في الساحة السياسية هو قابل للأخذ والرد، باستثناء ما هو من الثوابت الدينية.
وقد درج العلماء على القول:
"كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا كلام الله سبحانه وتعالى، ثم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم."
بل إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يُفرّق بين ما هو وحيٌ لا يُناقش، وبين ما هو اجتهادٌ بشري، يفتح فيه باب الرأي والمشورة للصحابة، والشواهد على ذلك كثيرة.
وعليه، فإن الاختلاف في الرأي لا يبرر التشكيك، ولا يجيز تخوين الآخرين، ولا يعني بأي حالٍ من الأحوال التراجع عن الثوابت.
ونقولها بوضوح:
نحن – ولله الحمد – ثابتون على مواقفنا منذ عرفنا العمل السياسي في الساحة الجنوبية، ومنذ انطلاق الحراك الجنوبي، وبعد عودتنا إلى النشاط السياسي عقب سنوات التجميد التي أعقبت حرب 1994، وهي فترة تجاوزت العشرين عامًا.
وقد ظل موقفنا واضحًا:
الوقوف مع قضية شعب الجنوب، في حقه في استعادة دولته، وتقرير مصيره، واختيار الحل الذي يرتضيه، دون فرضٍ من أحد.
كما نؤمن بأن سنة الله في الكون تقول..أن الأشخاص يذهبون والأرص باقية وتبقى القضايا التي تملك مشروعية على الارض ثابتة
والتجديد في البشر سنة،
ولثوابت الوطنية ليست محل تنازل والمرونة لاتعني
التراجع عن الأهداف بل حكمة لايملكها الّا من يتصفون بالعقل ويدركون أن السياسة فن الممكن وممكن المتاح والحلول لاتاتي بالقوة وانت لاتملكها.
والدنيا دواره يوماَ لك ويوماَ عليك ويومَا لا لك ولاعليك ولو دامت السلطة لغيرك ماوصلت اليك.
فلا أحد يملك أن يتنازل عن قضيةشعب لا يملكها أصلًا، فالجنوب ملكٌ لشعب الجنوب ، وهو من يقرر مصيره بنفسه.
وقد أكدنا هذا الموقف في كل لقاءاتنا، سواء مع الأشقاء أو الأصدقاء، وفي السفارات، ومع المبعوث الدولي، ومكاتب الأمم المتحدة، والقوى السياسية اليمنية، وفي مراحل مختلفة مع السلطة، وكذلك مع التحالف العربي، وأخيرًا ضمن الجهود التي ترعاها المملكة العربية السعودية.
وكنّا واضحين دائمًا بأن ثوابت شعب الجنوب لا يمكن التنازل عنها، ولا القبول بحلول لا يرضاها.
وفي ذات الوقت، ندعو إلى:
الاصطفاف الجنوبي،
وتعزيز الاستقرار،
ودعم التنمية، وتجنب الصراعات الداخلية.
كما نؤكد حرصنا على عدم الدخول في صراعات إقليمية، أو تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
ونؤكد كذلك حرصنا على علاقات متوازنة مع دول التحالف العربي والخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، باعتبارها الدولة الأقرب جغرافيًا، والأكثر ارتباطًا بمصالح الجنوب.
وفيما يتعلق بعلاقتنا مع إخوتنا في الشمال، فإننا نرفض خطاب الكراهية، ونرفض تصفية الحسابات الشخصية، ونؤمن أن هذه الجغرافيا ستظل جامعةً لنا، وأن التعايش فيها أمرٌ حتمي في اطار الحل الذي يقرره شعب الجنوب بوصفه
الطرف المعني بقضية الجنوب.
ومن هنا، فإن الأفضل للجميع هو الاتفاق على مشاريع تحقق المصالح المشتركة، بدلًا من استمرار الصراعات، بما يتيح قيام كيانين قويين ومتماسكين، لكلٍ منهما علاقاته ومصالحه، بدلًا من البقاء في إطار دولة ممزقة.
ومع ذلك، نؤكد أننا لا نفرض حلولًا بالقوة، بل نترك ذلك لإرادة شعب الجنوب، وللحوار والتفاوض لاقرار الحل المناسب لنصل الى نهاية رحلة البحث عن وطن
التي طالت وطال انتظارها.
وفي هذا الإطار، ندعو إلى الحفاظ على الحوار الجنوبي، وتطوير آلياته، وان تكون المملكة العربية داعمة لانجاح الحوار لمنع أي تدخل من الاحزاب اليمنية لتمرير حلول سبق ان رفضها الجنوب قبل ٢٠١٥م تشكيل لجنة تحضيرية جنوبية، تعمل على:
جمع مختلف الأطراف الجنوبية، والتواصل مع السلطات المحلية،
والقوى السياسية، بهدف الاتفاق على رافعة وطنية جامعة، تضم ماتبقى هيئات المجلس الانتقالي الجنوبي، أو ماتبقى منها لأن هناك من اعلنوا حل المجلس ولم يعد لهم علاقة بهيئاته الى جانب المكونات الجنوبية التي لم تكن ضمن الانتقالي وهي كثيرة ويتم معالجة الاختلالات التي حدثت في الفترة الماضية، وتستفيد من مخرجات الحوار الجنوبي السابق، ومن الميثاق الوطني الجنوبي، مع تطوير الوثائق بما يخدم وحدة القضية الجنوبية، ويعزز مكانة كل محافظة ودورها.
والله من وراء القصد
العميد.
علي بن شنظور – أبو خالد
رئيس منبر عدن للحوار والسلام
3 ابريل 2026

تعليقات
إرسال تعليق