ثقافة اللامبالاة: حين تتحوّل المأساة إلى مشهد عادي د. _ريم برو باحثة في الانتربولوجيا وعلم والاجتماع_
لم تأتِ ثقافة اللامبالاة التي تجتاحنا اليوم من فراغ، بل هي نتاج سنوات طويلة من التكرار القاسي للمشاهد ذاتها: حروب لا تنتهي، دمار يُعاد إنتاجه، ومآسٍ تُعرض يوميًا حتى فقدت قدرتها على الصدمة. لم يعد الإنسان يندهش كما في السابق، ولم يعد يتوقف طويلًا أمام الألم، كأن النفس—بعد كل هذا الاستنزاف—قررت أن تنسحب بصمت.
غير أن هذه الحالة لا يمكن فهمها فقط بوصفها تعبًا نفسيًا، بل هي تحوّل أعمق في البنية الثقافية للمجتمع. من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، ما يحدث هو إعادة تشكيل تدريجية للحساسية الإنسانية تحت ضغط التكرار المستمر للمأساة، حيث يُعاد تعريف ما هو صادم، وما هو عادي.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد ضعف في الإحساس، بل حالة من التعب العميق للمشاعر. فمع تراكم الأحداث المؤلمة دون فسحة للشفاء أو الفهم، تتحول اللامبالاة إلى نوع من الحماية الداخلية. لكنها حماية مكلفة، لأنها لا توقف الألم بقدر ما تُخدّر الوعي به، وتدفع الإنسان إلى التراجع عن التفاعل.
لقد اعتدنا رؤية ما لم يكن يُحتمل رؤيته سابقًا. ما كان يومًا حدثًا مريبًا يهزّ الضمير، أصبح اليوم خبرًا عابرًا، أو صورة تُمرَّر بسرعة بين عشرات الصور. في هذا السياق، يمكن الحديث عن تطبيع العنف، حيث لم تعد المشاهد القاسية استثناءً، بل جزءًا من الحياة اليومية. هنا، لا يختفي الإدراك، بل يُعاد تنظيمه، وتتحول اللامبالاة من موقف فردي إلى بنية ثقافية مشتركة.
وتُظهر القراءة الأنثروبولوجية أن الإنسان لا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل كما تُعرّفه الثقافة. ومع هذا الإغراق المستمر في صور المأساة، يتشكل ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد المشاعر”، حيث يتم تقنين التعاطف وتخفيض حدّته كاستجابة لحالة الإرهاق. ليست المشكلة في غياب المشاعر، بل في استنزافها إلى حد العجز.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم اللامبالاة كنوع من آلية التكيّف الثقافي. فحين يعجز الإنسان عن تغيير واقعه، يعيد ضبط استجابته له. الصدمة، إذا تكررت دون أفق، تفقد قدرتها على الدفع نحو الفعل، ويتحول الألم من دافع للتغيير إلى عبء يتم تحييده. وكأننا، بشكل غير واعٍ، خضعنا لعملية “حقن تدريجي” بصور المأساة، حتى وصلنا إلى مرحلة لم نعد فيها قادرين على التفاعل كما في السابق.
لكن الأخطر من ذلك هو ما يمكن وصفه بـ تدجين الإحساس؛ حيث لا يختفي الشعور، بل يُروّض تدريجيًا ليصبح أقل استجابة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين لا يعود القاسي قاسيًا، ولا يعود الصعب صعبًا، وتبهت الفروق بين الطبيعي والمأساوي. هذه ليست فقط أزمة شعور، بل انحدار في البنية الإنسانية ذاتها.
ولا تقف آثار هذه الثقافة عند الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل. فالأجيال التي تنشأ في ظل هذا الاعتياد على الألم، قد تفقد تدريجيًا دافعها نحو التغيير أو التطور. حين تصبح مقومات الحياة نفسها غير ذات أهمية، يتراجع الطموح، ويحلّ مكانه نوع من القبول الصامت بأي واقع.
في النهاية، ثقافة اللامبالاة ليست غيابًا للمشاعر، بل امتلاء مُرهق بها. إنها اللحظة التي تتعب فيها النفس من التفكير، وتتراجع فيها الأحاسيس خطوة إلى الخلف، لا لأنها لم تعد موجودة، بل لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار. وهي، في جوهرها، تعبير عن علاقة مختلّة بين الإنسان وواقعه، حيث يتحول الإدراك إلى صمت، والمعرفة إلى انسحاب.

تعليقات
إرسال تعليق