ميخائيل عوض / لبنان
في لحظة إقليمية ودولية شديدة السيولة، حيث تتداخل مسارات الحرب والتفاوض، وتتشابك فيها الوقائع الميدانية مع المناورات السياسية والإعلامية، بما يجعل قراءة المشهد تتطلب تجاوز الظاهر إلى البنية العميقة للصراع. في هذا الإطار، نقدّم مقاربة تعتبر أن ما يجري ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار واحد يعاد فيه تشكيل توازنات القوة، انطلاقاً من ميادين الاشتباك وصولاً إلى طاولات التفاوض. ومن خلال تتبع مؤشرات متعددة – من الساحة اللبنانية إلى الجبهة الإيرانية، ومن التحولات داخل الإدارة الأمريكية إلى ديناميات التفاوض – تُبنى قراءة ترى في تراكم هذه المعطيات دلالة على انتقال الصراع من مرحلة السعي إلى الحسم العسكري إلى مرحلة إدارة النتائج وإعادة توزيع الأدوار. وعليه، لا تُفهم التصعيدات الجارية بوصفها تصعيداً بقدر ما هي أدوات ضمن معركة أوسع عنوانها: من يفرض شروط ما بعد الحرب.
*أولاً: ميدان لبنان – مركز إثبات الهزيمة*
إن الساحة اللبنانية بوصفها المختبر الحي الذي تتكشّف فيه حدود القوة الإسرائيلية، لا من خلال الخطاب أو التقديرات، بل عبر الوقائع الميدانية الصلبة. فبعد أكثر من خمسين يوماً من العمليات، يعجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيق اختراق نوعي أو فرض معادلة سيطرة مستقرة، رغم امتلاكه تفوقاً نارياً وتقنياً كبيراً. وتتجلى هذه الحقيقة في الفشل المتكرر في السيطرة على نقاط مفصلية مثل بنت جبيل، التي تتحول إلى رمز لصمود يتجاوز الجغرافيا نحو كونه دلالة على انهيار قدرة المبادرة لدى الخصم.
ولا يقف الأمر عند حدود العجز عن التقدم، بل يتعداه إلى الإخفاق في تثبيت المواقع التي تم الوصول إليها، حيث تتحول التلال والبلدات التي دخلتها القوات الإسرائيلية إلى مساحات رخوة، غير قابلة للتحصين أو الاستقرار. ويبرز هنا عنصر حاسم يتمثل في أن بعض المناطق التي أُخليت لم تكن نتيجة تراجع اضطراري، بل جزءاً من تكتيك مدروس لتحويلها إلى “مصائد استنزاف”، تُستدرج إليها القوات المهاجمة لتُستنزف تدريجياً في بيئة قتالية معادية بالكامل.
ضمن هذا السياق، إن توصيف ما يجري على أنه مجرد “صمود”، ويذهب إلى اعتباره إعادة تأسيس لقواعد حرب متقدمة، تستعيد وتطوّر مفاهيم “حرب الشعب طويلة الأمد” و”حرب العصابات”، حيث لا تكون السيطرة على الأرض هي الهدف المباشر، بل التحكم بإيقاع الاشتباك واستنزاف العدو وإفقاده القدرة على الحسم. وهنا تتجلى قدرة قوى المقاومة على إدارة مسرح العمليات بمرونة عالية، تُمكّنها من فرض معادلاتها الخاصة، وتحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى عبء تكتيكي، لا أداة حسم.
*ثانيًا: تآكل عناصر القوة الإسرائيلية*
نقدّم صورة مركّبة لتآكل القوة الإسرائيلية، تنطلق من فكرة أن ما يمتلكه الكيان من أدوات تفوق لم يعد قابلاً للتحويل إلى إنجاز ميداني حاسم. ففي قراءتنا ، نتنياهو قد دفع بمعظم أوراقه إلى الميدان دفعة واحدة: من استدعاء الاحتياطيات العسكرية، إلى استخدام مختلف أنماط العمليات والتكتيكات، بما فيها الكمائن والهجمات المركّبة، دون أن ينجح في كسر توازن الصراع أو فرض واقع جديد على الأرض.
هذا الاستنزاف المتسارع للأدوات، دون تحقيق نتائج نوعية، لا يُفسَّر كتعثر ظرفي، بل كدليل على بلوغ القدرة الإسرائيلية سقفها العملياتي، حيث تصبح كل خطوة إضافية مكلفة أكثر مما هي منتجة. ومع غياب القدرة على تحقيق اختراق حاسم، يتحول التفوق النظري إلى عبء، وتدخل القيادة العسكرية والسياسية في حلقة مفرغة من إعادة استخدام الأدوات ذاتها دون جدوى.
ضمن هذا المشهد، نطرح مسارين محتملين: الأول هو الإقرار الضمني أو المباشر بالفشل، بما يستتبع ذلك من انسحاب أو إعادة تموضع يحاول الحد من الخسائر وحفظ ما تبقى من صورة الردع. أما المسار الثاني، فهو الاستمرار في نهج الاستنزاف، وهو خيار لا يقود إلى تحسين الموقع التفاوضي، بل إلى تعميق الأزمة، وقد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، تتخلله عمليات نوعية تحت عنوان “تصفية الخروقات”، بما يعني الانتقال إلى مرحلة أكثر حدة وخطورة في إدارة الصراع تنتهي بعبور قوات الرضوان والتحرير.
في كلا السيناريوهين، تبدو النتيجة واحدة في جوهرها: تراجع القدرة على المبادرة، وانزلاق متدرج من موقع الفاعل القادر على فرض الشروط، إلى موقع المأزوم الذي يدير تداعيات عجزه.
*ثالثًا: جبهة إيران – من الحرب إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك*
نقدّم مقاربة مختلفة لطبيعة التهدئة النسبية بين إيران وأمريكا، نعتبر أن توقف الضربات المباشرة لا يعكس نهاية المواجهة، بل تحوّلاً في مستواها وأدواتها. فالصراع، وفق هذا التصور، لم يعد محصوراً في تبادل النيران، بل انتقل إلى فضاء أوسع تُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك، بما يدمج بين الميدان العسكري ومسارات التفاوض السياسي في آنٍ واحد.
ضمن هذه القراءة، نشدد على أن ما استُخدم من قدرات إيران ومحور المقاومة لا يمثل سوى جزء من منظومة القوة المتاحة، ما يعني أن ميزان الردع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. فالتريث في استخدام الأدوات لا يُفهم كعجز، بل كخيار استراتيجي يهدف إلى إدارة الصراع على مراحل، وتوظيف كل عنصر قوة في توقيته المناسب لتحقيق أقصى أثر ممكن.
وفي توصيف العقل التفاوضي الإيراني، نستحضر صورة “ابن البازار” الذي يتقن فنون المساومة الطويلة، حيث لا تُفصل الحرب عن التفاوض، بل يُعاد دمجهما ضمن عملية واحدة. في هذا الإطار، تتحول الضغوط العسكرية إلى أوراق تفاوضية، وتُستخدم المناورات السياسية لتثبيت مكاسب ميدانية، في معادلة دقيقة تمزج بين الصلابة والمرونة. وبذلك، تصبح المواجهة مع إسرائيل – ومن خلفها الولايات المتحدة – ساحة لإعادة تعريف التوازنات، لا مجرد جولة قتال تنتهي بوقف إطلاق نار.
*رابعًا: المفاوضات – “سجادة إيرانية” بنسج هوليوودي*
نعود إلى تفكيك مشهد التصعيد الظاهري، ليقدّمه كجزء من بنية تفاوضية معقّدة تُدار بعناية عالية، حيث لا يُقرأ التوتر بوصفه مقدمة لحرب شاملة، بل كأداة ضمن مسار تفاوضي يجري نسجه بخيوط متعددة. في هذا السياق، يطرح فكرة “السجادة الإيرانية” كاستعارة لعملية حياكة بطيئة ودقيقة، تتداخل فيها الخيوط السياسية والعسكرية والإعلامية، لتنتج في النهاية صورة متماسكة تخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى.
ضمن هذا الإطار، إن التحضير لجولات تفاوض جديدة لم يتوقف، بل يجري بالتوازي مع رفع منسوب التوتر، بما يخلق بيئة ضاغطة تدفع الأطراف المعتدية إلى تقديم تنازلات. وتلعب “البروباغندا” هنا دوراً محورياً، ليس فقط في تعبئة الرأي العام، بل في إخفاء المسار الحقيقي للأحداث، حيث يُضخَّم احتمال المواجهة العسكرية الكبرى لتغطية حركة التفاوض الجارية في الكواليس.
ويبرز في هذا الطرح توصيف خاص للعقل التفاوضي لدى إيران، الذي يعتمد أسلوباً مركباً يجمع بين التهديد والانفتاح في آنٍ واحد؛ فبينما تُرفع السقوف الأمريكية إعلامياً عبر الحديث عن سيناريوهات كبرى كاجتياح بري أو السيطرة على جزر وممرات استراتيجية، بينما يجري في العمق إرسال إشارات تهدئة واستعداد للتفاهم. وبهذا المعنى، لا يكون التهويل العسكري سوى أداة ضغط محسوبة، تُستخدم لإعادة تشكيل شروط التفاوض، لا تمهيداً فعلياً للدخول في تلك السيناريوهات.
في المحصلة فإن صورة لمشهد تفاوضي تُدار فيه الأزمة كعرض مركّب، تختلط فيه عناصر القوة الصلبة بالتمثيل السياسي والإعلامي، بما يجعل من الصعب الفصل بين ما هو حقيقي وما هو مُصطنع، ويحوّل الصراع إلى عملية إدارة إدراك بقدر ما هو صراع على الأرض.
*خامسًا: ديفانس كمؤشر على التحول داخل الإدارة الأمريكية... أغناطيوس استراتيجية ترامب " تكبير الأزمات"*
يشكّل محور حديثنا عن مقابلة نائب الرئيس الأمريكي جي.دي.ڤانس ومقال الصحفي الأمريكي ديفيد اغناطيوس نقطة ارتكاز تحليلية دقيقة لفهم ما يعتبره تحوّلاً عميقاً داخل البنية الذهنية والسياسية للقرار الأمريكي.
ففي قراءتنا، لا تأتي تصريحات فانس بوصفها مجرد موقف سياسي عابر، بل كإفصاح مدروس من داخل “العقل العاقل” في الإدارة الأمريكية، حيث يعكس حديثه عن التقدم في التفاوض مع إيران، وإمكانية استئنافه قريباً، إقراراً ضمنياً بأن خيار الحرب قد استُنفد ولم يعد منتجاً.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في مضمون التصريحات، بل في موقع قائلها: نائب رئيس مرشح لأن يتحول إلى بديل محتمل في حال تفاقمت أزمة القيادة داخل واشنطن، ما يمنح كلامه وزناً استراتيجياً يتجاوز البعد الإعلامي إلى كونه مؤشراً على إعادة تموضع داخل الدولة العميقة الأمريكية ولسانا لما يهندسه ترامب من استعداد الانسحاب والقبول بالهزيمة .
بالتوازي، يعتبر مقال إغناطيوس كامتداد فكري وتحليلي لهذا التحول، لكن بلغة النخب الاستراتيجية المرتبطة بالبنتاغون. إذ يستدعي إغناطيوس قاعدة منسوبة إلى نابليون تقوم على “تكبير الأزمة عندما تستعصي”، ليُسقِطها على سلوك دونالد ترامب، معتبراً أن خطوات مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز ليست تعبيراً عن ثقة بالقوة، بل عن مأزق يستدعي توسيع الصراع هرباً من نتائجه. هنا تتكامل قراءتنا بين النصّين: فانس يعبّر عن اتجاه نحو الخروج عبر التفاوض، بينما إغناطيوس يفسّر سلوك التصعيد كجزء من محاولة خلق مخرج يحفظ ماء الوجه. هذا التوازي بين “لغة السياسي” و”لغة الاستراتيجي” يكشف ، عن حقيقة واحدة: أن الولايات المتحدة انتقلت من موقع المبادرة إلى موقع إدارة التراجع، وأن ما يبدو تصعيداً هو في جوهره مناورة اضطرارية لإعادة ترتيب الانسحاب، لا مقدمة لانتصار.
*سادسًا: الضغوط الداخلية الأمريكية – نحو فرض وقف الحرب*
إن قراءتنا تعتبر أن مركز الثقل في تطور الصراع لم يعد خارج الولايات المتحدة فقط، بل انتقل إلى داخلها، حيث تتصاعد الضغوط السياسية والمؤسساتية على نحو يقيّد قدرة الإدارة على الاستمرار في مسار الحرب. ففي هذا السياق، يشير إلى تنامي حالة الاعتراض داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ليس بوصفها خلافات تكتيكية، بل كمؤشر على اتساع الفجوة بين القرار التنفيذي والمزاج السياسي العام، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي تفرض حسابات دقيقة على صناع القرار.
ويبرز عامل الانتخابات النصفية كعنصر ضاغط أساسي، إذ تتحول الحرب من أداة للهيمنة إلى عبء انتخابي يهدد مواقع القوى السياسية، ما يدفع قطاعات واسعة داخل المؤسستين الحزبيتين إلى البحث عن مخرج سريع يخفف من كلفة الانخراط العسكري. وفي هذا الإطار، هناك احتمال تفعيل دور الكونغرس كقوة قادرة على فرض إيقاع مختلف، سواء عبر قرارات مباشرة بوقف التمويل أو الضغط التشريعي والسياسي لإنهاء العمليات.
انطلاقاً من ذلك، إن مسار الأحداث قد يتجه نحو إنهاء الحرب بقرار داخلي أمريكي، لا نتيجة حسم ميداني، بما يعكس انتقال مركز القرار من ساحات القتال إلى مؤسسات الحكم في واشنطن. ولا يقف تأثير هذه الضغوط عند حدود وقف العمليات، بل يمتد إلى احتمال فتح ملفات المساءلة السياسية، بما قد يضع ترمب أمام تحديات قانونية وسياسية جدية. وفي المحصلة، يُتوقع – وفق هذا الطرح – أن تفضي هذه الديناميات إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي، سواء على مستوى موازين القوى داخل المؤسسات، أو على مستوى مستقبل القيادة نفسها.
*سابعًا: بشائر التحول وبداية زمن جديد*
نطرح فكرة أن الحرب الجارية أدت إلى:
- بروز فاعلين جدد في الإقليم.
- إعادة تشكيل موازين القوى.
- انكشاف حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية.
ونشدد على أن محور المقاومة لم يستخدم بعد كامل قدراته، ما يعني أن ميزان القوة لا يزال قابلاً للتغير.
ونؤكد أن ما يجري ليس مجرد حرب، بل لحظة تأسيس لمرحلة تاريخية جديدة.
باتت فيها مؤشرات الهزيمة الأمريكية والإسرائيلية تتكاثر.
ومسار الأحداث يتجه نحو إعادة تشكيل العالم.
ونضع هذا المسار في إطار “بشائر” تستدعي المتابعة الدقيقة، فالمؤشرات على انتقال الصراع من مرحلة الحسم العسكري إلى مرحلة إعادة ترتيب التوازنات،في حقيقتها تعكس بداية انكفاء المشروع الأمريكي وصعود معادلات جديدة في المنطقة والعالم.
في المحصلة، تتكثف رؤيتنا حول فكرة مركزية مفادها أن الصراع دخل طوراً جديداً، لم يعد فيه معيار القوة يُقاس بحجم النار أو اتساع الجبهات، بل بالقدرة على إدارة التداخل بين الميدان والسياسة، بين التصعيد والتفاوض، وبين الواقع وصورته الإعلامية.
فلبنان، في هذه القراءة، يتحول إلى مساحة كشف لعجز القوة الإسرائيلية، فيما تمثل إيران نموذجاً لإدارة الصراع المركب، وتعبّر التحولات داخل واشنطن عن بداية ارتداد في مركز القرار الأمريكي. وبين هذه المستويات كافة، تتشكل لوحة واحدة تشير إلى أن ما يبدو فوضى هو في حقيقته إعادة ترتيب عميقة لموازين القوى.
إن الخلاصة التي يقدّمها هذا الطرح لا تقف عند حدود توصيف لحظة عابرة، بل تذهب إلى اعتبارها عتبة تأسيس لمرحلة مختلفة، تتراجع فيها أنماط الهيمنة التقليدية لصالح معادلات أكثر تعقيداً وتداخلاً. وفي هذا المعنى، يتقدم محور المقاومة بما مثله رافعة لصعود أوراسيا لصياغة قواعد المرحلة القادمة، وتحديد شكل العالم الذي سيتبلور على أنقاض هذا الاشتباك المفتوح.
🖊 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق