الجنوب بين تعدد المكونات والرؤوس القيادية ونزعة الانفراد بالقرار الجنوبي..



عانى الجنوب، منذ ولادة وظهور قضية شعب الجنوب إلى العلن في عام 2007، من إشكالية تعدد الرؤوس القيادية، والتسابق على المنصات، وتكاثر المكونات الجنوبية التي باتت تحمل مسمى واحدًا بفروع متعددة.

لقد حاولنا – كنخبة جنوبية لم تتعصب لأي مكون – التعامل مع هذا الواقع منذ وقت مبكر، وتحديدًا منذ عام 2009، حين بدأت تتسع رقعة الانقسامات، وتظهر مسميات عديدة: من المجلس الوطني، إلى حركة نجاح، إلى هيئة الاستقلال ثم هيئة النضال السلمي، إلى مجلس قيادة الثورة الجنوبية، وغيرها من المسميات.


ثم جاء تأسيس الحراك السلمي الجنوبي، ليتوسع المشهد أكثر، وتتعدد مكوناته ومسمياته، رغم أن الهدف العام ظل – في جوهره – واحدًا تقريبًا لدى الجميع.


إلى جانب ذلك، برزت مجالس المتقاعدين العسكريين بتنوعها، وظهرت الهيئات والمنظمات والمكونات الجنوبية التي امتدت على طول الساحة الجنوبية خلال السنوات العشر الأخيرة، وكذلك مجلس المقاومة الجنوبية واتخذ بعضها طابعًا جغرافيًا، محصورًا في إطار محافظة أو أكثر مثل مجلس ابناء المهرة وسقطرى وتحالف ومؤتمر شبوة والمجلس الوطني حضرموت وشبوة وعدن والمجالس المدنية في عدن ومؤتمر ابين الجامع وغيرها من المسميات التي تعددت وبعضها لم يعد يتبنى اهداف قضية شعب الجنوب بل رؤى أقل من رؤية استعادة دولة الجنوب والفدرالية المزمّنة.


وكانت قبلها عقدت مؤتمرات جنوبية، مثل مؤتمر شعب الجنوب، ومؤتمر حضرموت، ولقاء القاهرة، وغيرها من الأطر التي يصعب حصرها. حتى وصل عدد المكونات – بحسب التقديرات – إلى ما يقارب 60 إلى 70 مكونًا، ذات طابع سياسي وحقوقي ومدني، ولا يزال هذا العدد في ازدياد، حتى أصبح لا يكاد يمر شهر إلا ونسمع عن التحضير لمكون جديد.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد التعدد إلى داخل الحراك نفسه: الحراك السلمي ،،الحراك الثوري،، الحراك الوطني،، الحراك المشارك، الحراك المدني…الخ... تعددت المسميات، وتباينت الأطر، وتشتت الجهود.

حتى في صنعاء لديهم مكون للحراك وفي

 الشرعية لديهم مكون للحراك.


أمام هذا الواقع، حرصنا – ومعنا عدد من الزملاء – على أن نبقى كقاسم مشترك، نساهم في لملمة الصفوف غير أن ذلك ارهقنا وكان على حساب وضعنا ومعاناتنا الخاصة.. كان قرارنا إيمانًا أن العمل الوطني يتطلب تضحية وأن الانتماء لأي مكون يعني فقدان الحيادية.


بل حتى في فريق الحوار الجنوبي لم اكن عضو في أي هيئة من هيئات المجلس الانتقالي الجنوبي ولكن فقط في فريق الحوار باعتباره ليس هيئة من هيئات الانتقالي.


لقد كان لي شرف اللقاء المتكرر مع الدكتور محمد حيدرة مسدوس، وهو من المفكرين الجنوبيين الذين لم ينتموا لأي مكون، وظل  داعيًا إلى لملمة الصفوف وبناء جبهة وطنية عريضة.


باستثناء مشاركتي في فترة معينة ضمن إطار اللقاء التشاوري الجنوبي، والذي لم يكن مكونًا سياسيًا بقدر ما كان ملتقى داعمًا للقضية الجنوبية.


 لقد سعينا من خلال تلك المبادرات ومن خلال  منبر عدل للحوار والسلام، إضافة إلى مشاركات اخرى منها لجنة متابعة التوافق الجنوبي التي تأسست في عدن، أن ندعو لوحدة الجميع لضمان استقرار الجنوب.


ثم جاءت مرحلة تشكيل فرق الحوار الجنوبي، بشكل شبه رسمي، بدعم من قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، حيث تشرفت بعضويتها، ثم لاحقًا بتكليفي نائبًا لرئيس فريق الحوار.


ومنذ ذلك الحين، ما زلنا نعمل ونسعى في سبيل لملمة صفوف القوى الجنوبية، وقد كانت أبرز الجهود خلال عامي 2022–2023، برئاسة الدكتور صالح الحاج، وبمشاركة زملائنا في الداخل والخارج، ومنهم الأخ أحمد بن فريد العولقي، وقبله الأستاذ مراد الحالمي.


أجرينا حوارات واسعة ومشاورات متعددة، ورغم أننا لم نتمكن من الوصول إلى تفاهمات مع بعض الأطراف، مثل معالي وزير الداخلية السابق أحمد الميسري، إلا أن الخلاف لم يكن حول مبدأ الحوار، بل حول جدواه وصلاحياته، حيث طالب البعض بأن تكون مخرجات الحوار قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، لا مجرد تفاهمات نظرية.

كما أجرينا لقاءات مع مؤتمر حضرموت الجامع، وتم تشكيل لجنة مشتركة للمتابعة، إلى جانب لقاءات مع الائتلاف الوطني، ومؤتمر شعب الجنوب، ومكونات الحراك المختلفة.

وقد حرصنا، خلال التوقيع على الميثاق الوطني الجنوبي، على وضع الجميع في مسافة واحدة، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي، حيث تم توقيع الميثاق من قبل مختلف المكونات، في مشهد كنا نأمل أن يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة.

لكن، وللأسف، اصطدمت تلك الجهود بواقع داخلي، تمثل في وجود تيار لا يرغب في مزيد من الانفتاح أو التوسع، ويخشى من دخول قوى جديدة كشركاء في القرار.


رغم ذلك، استمر هدفنا واضحًا: الوصول إلى جبهة وطنية جنوبية عريضة، تضم المجلس الانتقالي وبقية المكونات، خاصة في ظل مطالب المجتمع الدولي بوجود قيادة جنوبية موحدة، بصوت واحد.


إن تعدد الرؤوس القيادية لا يخدم الجنوب، بل يضعفه، ويشتت قراره، ويعيق جهود الدول الراعية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، في إيجاد حل عادل لقضية شعب الجنوب.


فالجنوب، بحكم موقعه الجغرافي، يطل على مناطق استراتيجية بالغة الأهمية: خليج عدن، باب المندب، البحر الأحمر، والبحر العربي، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة بأكملها.


ولا يزال الأمل قائمًا في تجديد الجهود، وتوحيد الصفوف، على قاعدة احترام ثوابت شعب الجنوب، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وبناء الدولة.


كما يمكن أن تشكل الفيدرالية مرحلة انتقالية، أو صيغة مرحلية، تُعرض لاحقًا على شعب الجنوب ليقرر قبولها أو رفضها، في إطار عملية تقرير المصير.

إننا بحاجة إلى مؤتمر وطني جنوبي شامل، شبيه بتجربة جنوب أفريقيا، يفضي إلى قيادة موحدة، تتجاوز أخطاء الماضي وتعقيداته.


لقد عانى الجنوب كثيرًا من النزعات الانفرادية، ومن الصراع على السلطة، وهي دروس يجب أن نتعلم منها: من إقصاء الرئيس قحطان الشعبي، إلى اغتيال سالم ربيع علي، إلى أحداث 13 يناير، إلى مرحلة ما قبل الوحدة، ثم حرب 1994، وصولًا إلى حرب 2015 وما بعدها.


فهل نتعلم من تلك التجارب؟

هل آن الأوان أن تراجع القيادات مواقفها، وتقدم التنازلات من أجل الجنوب؟

فالسلطة لا تدوم لأحد، ولو دامت لغيرك ما وصلت إليك.


إن ما نحتاجه اليوم هو شراكة وطنية حقيقية، قائمة على التصالح والتسامح، وعلى إدارة عادلة للمحافظات، وتوازن في التمثيل، واحترام للجميع دون إقصاء.

الجنوب لكل أبنائه… ولا يمكن أن يُبنى إلا بهم جميعًا.


لقد سمعنا من سعادة السفير السعودي في اليمن السفير محمد آل جابر في لقاء حضره اكثر من 40 شخصية جنوبية تاكيده أن المملكة لاتسعى لأي تفكيك للجنوب بل ترفض تاسيس

مكونات وبمكانها أن تفعل ذلك لو ارادت ولكنها كما أكد حريصه على أن تكون هناك مظلة واحدة للجنوب.



اذن فالعودة من البعض للمكونات المتعددة هي فكرة ستجعلنا أمام رحلة جديدة من العمل لتوحيد

المكونات بينما الأصل التفكير في عمل وطني يجمع كل القوى بما فيهم المجلس الانتقالي الجنوبي.


والله ولي التوفيق والهداية.


علي بن شنظور

أبوخالد

نائب رئيس فريق الحوار

الوطني الجنوبي رئيس منبر عدن للحوار والسلام


19 ابريل 2026م

تعليقات