عماد الدوماني يكتب
لم يعد الأمن اليوم مرادفا لحماية الحدود أو امتلاك ترسانة عسكرية تقليدية، بل أصبح مفهوم الأمن الشامل الإطار الواقعي لفهم معادلة البقاء في زمن الصراعات الحديثة. فالدروس القاسية التي كشفت عنها الحرب في أوكرانيا، وغزة وأخيرا حرب إيران، تؤكد أن أدوات الأمس لم تعد صالحة لمعارك اليوم.
أظهرت هذه الحروب تراجع قيمة الأسلحة التقليدية الثقيلة، ففي أوكرانيا، خلال عامي 2022 و2023، تم تدمير أكثر من 4,000 دبابة ومركبة مدرعة باستخدام طائرات مسيّرة تكلفتها الواحدة بين 3,000 و20,000 دولار فقط، في مقابل تكلفة الدبابة الواحدة التي تتجاوز عدة ملايين. كما أن تكلفة إسقاط طائرة مسيّرة واحدة باستخدام صواريخ دفاع جوي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات، ما يعكس اختلالا واضحا في معادلة التكلفة والعائد كما أظهرت الضربات الدقيقة قدرتها على تعطيل المطارات العسكرية خلال الساعات الأولى، عبر استهداف الطائرات في قواعدها قبل دخولها الخدمة. وفي غزة، برزت شبكات الأنفاق الممتدة لعشرات الكيلومترات كتكتيك يقلل تأثير التفوق الجوي، ويعيد تشكيل ميزان القوى على الأرض.الصواريخ الدقيقة، بما فيها الفرط صوتية، التي تتجاوز سرعتها 5 ماخ (6,000 كلم/س)، تجعل اعتراضها صعبًا، وتمنح قدرة عالية على استهداف العمق الاستراتيجي خلال دقائق.
التحول الأهم يمتد إلى الاقتصاد والبنية التحتية. فقد أثبتت تجارب أوكرانيا أن العقوبات الاقتصادية واضطرابات سلاسل الإمداد تلعب دورًا مشابهًا للأسلحة، مؤثرة على إنتاج الطاقة، أسعار الغذاء، واستقرار الأسواق العالمية. كما شهد الشتاء 2022–2023 انقطاع الكهرباء عن ملايين المواطنين نتيجة الهجمات على شبكة الكهرباء، بينما أصبحت المنشآت الحيوية مثل صوامع الحبوب ومحطات المياه والطاقة أهدافًا مباشرة، ما يفرض تصميمًا موزعًا ومرنًا للبنية التحتية.
ولا يكتمل الأمن الشامل دون ترسيخ السلم الداخلي، بوصفه خط الدفاع الأول. المجتمعات المنقسمة أو التي تفتقد الثقة بين مواطنيها والدولة أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار. بناء الثقة، تعزيز العدالة، وترسيخ الشعور بالمواطنة، تمثل ركيزة أساسية في معادلة البقاء.
من هنا، يصبح الأمن الشامل منظومة متكاملة: مخزونات الغذاء والدواء موزعة على مواقع متعددة ومحصّنة، مصادر الطاقة مستقلة وبديلة مثل الألواح الشمسية، وشبكات المياه متنوعة لضمان الاستمرارية عند استهداف المنشآت الرئيسية. الاعتماد على مصدر واحد، مهما كان متطورًا، يمثل نقطة ضعف استراتيجية في زمن الحروب الحديثة.
إن إعادة تعريف البقاء لم تعد خيارا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الصراعات المعاصرة. التفوق العسكري وحده لم يعد كافيا، بل الصمود المجتمعي، واستمرارية الخدمات، والقدرة على التكيف أصبحت عناصر حاسمة في النصر وفي عالم تتغير فيه قواعد القوة بسرعة، لم يعد البقاء للأقوى تسليحًا، بل للأكثر قدرة على التكيف وبناء منظومة أمن شامل.
من لا يعيد تعريف أمنه اليوم… قد لا يملك فرصة الدفاع عنه غدًا.
ويجب ألا ننسى أن الحليم من اتعظ بغيره.

تعليقات
إرسال تعليق