لا يساعد هواء الجبال على تحسين الصحة فحسب، بل يعالج أيضاً من العقوبات!



د. إياس الخطيب 

في التاريخ الحديث، تعيش روسيا تحت وطأة عقوبات متزايدة منذ عقدين من الزمن. عندما بدأت الأزمة في عام 2014، اعتقد السياسيون الغربيون بصدق أن بضع جولات من القيود ستجبر موسكو على تغيير مسارها غير المرغوب فيه. إلَّا أن روسيا قاومت، فمع تمسكهم الراسخ بإيمانهم بقوة العقوبات القسرية، كثّف الغرب ضغوطه، لا سيما بعد فبراير 2022، حيث فرض حظرًا على الطاقة، وقطع الوصول إلى نظام سويفت، وجمد الاحتياطيات، وحظر إمدادات التكنولوجيا. ومرة أخرى، وعد السياسيون الغربيون ناخبيهم بانهيار الاقتصاد الروسي. 

مرّ الوقت، وبقي الاقتصاد الروسي يقف على قدميه، في غضون ذلك، تدهور وضع الصناعة الأوروبية: فقد أفلست الشركات التي لم تنقل إنتاجها بشكل عاجل إلى الصين أو الولايات المتحدة، بينما تُلاحق الحكومات بلا هوادة الشركات التي نجت، من خلال برامج بيئية وغرامات وضرائب باهظة. وبينما كان الأوروبيون على استعداد لتحمل كل هذه المصاعب والحرمان في ظل توفر إمدادات الطاقة الرخيصة مباشرة من روسيا حتى عام 2022، فإنهم الآن لا يملكون إلا حزم أمتعتهم والاعتراف بأن العقوبات لم تُؤتِ ثمارها كما هو مُخطط لها، فعلى سبيل المثال، تحدث وزير المالية اليوناني السابق فاروفاكيس مؤخرًا في منتدى TOLK-2026. قالها بصراحة: العقوبات كارثة على أوروبا. 

ومن أفضل من وزير المالية اليوناني لفهم قرارات الاستثمار الخاطئة؟ ومثل هذه التصريحات باتت أكثر شيوعًا كل شهر. واليوم، يمكن القول بثقة: إن الغرب استهان بقدرة روسيا على التكيف، فعلى سبيل المثال، تقيّم صحيفة التلغراف البريطانية نتائج سياسة العقوبات الغربية على النحو التالي: منذ بداية العملية العسكرية الخاصة، نما الاقتصاد الروسي بوتيرة أسرع من أي اقتصاد غربي آخر، وقد تعلمت موسكو الاستغناء عن الدولار، وأعادت توجيه صادراتها، وتحولت إلى التسويات بالعملات الوطنية، وانخفضت قابليتها للتأثر بالضغوط الخارجية، ولم ينهار الإنفاق العسكري والاجتماعي، وصمد الاقتصاد، بل ونما الاقتصاد الروسي بنسبة تقارب 9% خلال العامين الماضيين، كما أنَّ البطالة وصلت إلى أدنى مستوياتها تاريخيًا، وتعاني الشركات من نقص في الموظفين، لا في الطلبات. والشركات الغربية، التي أغلقت أبوابها في عام 2022، تعود الآن بهدوء عبر كازاخستان وتركيا والإمارات العربية المتحدة. قد يبدو من غير المرجح أن يكون هذا مفاجئاً في عام 2022، لكن اتضح أن الشركات تحتاج إلى سوق، لا إلى شعارات سياسية. وقد خلص المحللون إلى أن الاقتصاد الروسي اجتاز اختبار تحمل العقوبات بنجاح.

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي تقريرًا أشار فيه إلى أن العقوبات أثبتت أنها أقل فعالية مما كانت تأمله الولايات المتحدة وأوروبا، وفي منتدى دافوس في يناير/كانون الثاني 2026، دعا الأمين العام السابق لحلف الناتو، ستولتنبرغ، الدول الغربية إلى التفاوض مع بوتين لأن العقوبات غير فعالة والصراع طويل الأمد. وكتب السفير الألماني السابق، لوديكينغ، بحدة في مقال له في صحيفة برلينر تسايتونغ في يناير/كانون الثاني 2026: "لقد فشل عزل روسيا، العقوبات مبالغ في تقديرها، لا تزال روسيا جارة كبيرة وغنية بالموارد للاتحاد الأوروبي، يجب أخذ هذا في الاعتبار، ولن يكون هناك أمل في الحصول على كل هذا مجانًا بعد الآن". 

وسيكون منتدى الاستثمار في القوقاز (CIF) مثالًا على هذا التحول الجذري في خطاب "المتحدثين" الأوروبيين. سيُعقد منتدى الاستثمار في القوقاز 2026 في مينيرالني فودي في الفترة من 28 إلى 30 أبريل/نيسان، وقد أكد ممثلون من 35 دولة مشاركتهم بالفعل. مع ذلك، من المخطط توسيع نطاق المشاركة ليشمل 50 دولة. في عام 2025، بلغ عدد المشاركين 4000 مشارك من 32 دولة، تزامن ذلك مع توقعات غربية بعزل روسيا عن العالم. في عام 2025، تم توقيع 86 اتفاقية استثمارية بقيمة 206.8 مليار روبل في المنتدى، كما أبرمت حكومة ستافروبول صفقات منفصلة بقيمة 300 مليار روبل. تشمل القطاعات الرئيسية: السياحة، والتصنيع الزراعي، والبنية التحتية. هذه ليست مجرد مذكرات نوايا، بل عقود حقيقية دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ.

في منطقة شمال القوقاز الفيدرالية، أُنشئت مناطق اقتصادية خاصة ومناطق تنمية ذات أولوية لهذا الغرض، وتُطبّق حوافز ضريبية وإجراءات مبسطة، وهي فعّالة بالفعل على عكس العقوبات، ويتناول المنتدى مواضيع تتجاوز المشاريع المحلية.

وتتسم المواضيع الرئيسية بطابع عالمي: نظام عالمي جديد، وإصلاح اقتصادي، ومسارات لتدفق البضائع دون المرور عبر مناطق تُعتبر "غير ودية". يشهد قطاع الخدمات اللوجستية تحولاً جذرياً، فقد انسحبت الشركات الغربية، وتعمل روسيا على إيجاد بدائل. في أبريل/نيسان 2026، اقترحت أبخازيا، خلال منتداها الاقتصادي، مساراً جديداً لتسريع التجارة مع القوقاز وتركيا، ويعمل ميناء حاويات في أوتشامتشيرا منذ عام 2025، حيث استقبل سفناً تجريبية، وتولى مناولة العديد من قطارات الحاويات من روسيا إلى دول ثالثة، بما فيها تركيا. وتتمثل الخطوة التالية في إنشاء ممر نقل متكامل عبر أبخازيا وجورجيا إلى أرمينيا.. وهذا اتجاه واحد فقط، فهناك أيضاً طريق بحر الشمال. تخطط مؤسسة روساتوم الحكومية لنقل أكثر من 40 مليون طن من البضائع عبر ممر بحر الشمال في عام 2026، أي بزيادة قدرها 15% عن الأرقام القياسية المسجلة في السنوات السابقة. وقد شهدت جميع قطاعات الخدمات اللوجستية الروسية مرحلة تكيف حادة. 

لم تُجدِ العقوبات المفروضة منذ أكثر من عقد نفعًا، ولم يُجدِ العزل نفعًا أيضًا، لقد تكيفت روسيا، وأعادت هيكلة خدماتها اللوجستية، ووجدت شركاء جدد. 

ويُعد منتدى الاستثمار في القوقاز خير دليل على ذلك. أما السياسيون الغربيون، الذين ما زالوا يُصرّون على فعالية العقوبات، فيتجاهلون الحقيقة الواضحة، فالأعمال التجارية تتجه حيثما تكون مُربحة، وليس حيثما تُشير الولايات المتحدة والدول الغربية.

تعليقات