الصين قادمة ... باي باي أمريكا !!

 


ميخائيل عوض  / لبنان 

*بكين ليست محطة دبلوماسية... بل إعلان انتقال مركز العالم* 

لا تبدو بكين مجرد عاصمة استقبلت رئيسا أمريكيا مأزوما، بل تبدو كأنها المسرح الذي أعلن أمام العالم بداية انتقال مركز الثقل الدولي من الغرب الأنغلوسكسوني إلى الشرق الآسيوي.

ما جرى في بكين ــ وفق هذا التصور ــ لم يكن لقاء بين قوتين متكافئتين، بل مشهدا يرمز إلى انكسار الهيبة الأمريكية أمام صعود صيني واثق من نفسه، ثابت في خياراته، مدرك أن الزمن التاريخي بات يعمل لصالحه. 

إن ترامب ذهب إلى الصين محمّلا بأهداف كبرى: إخضاع بكين، ليّ ذراعها اقتصاديا، ابتزازها بورقة الطاقة، وإجبارها على التموضع داخل الحرب المفتوحة التي تخوضها واشنطن ضد إيران ومحور المقاومة. 

لكن النتيجة، بحسب طرحه، جاءت معاكسة تماما: الصين لم تخضع، ولم تتراجع، بل تعاملت مع الولايات المتحدة من موقع الندّية المتفوقة، فيما بدا ترامب نفسه محاصرا بأزماته الاقتصادية والسياسية والعسكرية. 

هكذا تتحول عبارة “الصينيون قادمون... باي باي أمريكا” من مجرد عنوان إلى توصيف لمسار تاريخي يتشكل أمام أعين العالم.

*الحرب على إيران... المعركة التي كسرت المشروع الأمريكي* 

فالربط  بين نتائج زيارة بكين وبين الفشل الأمريكي في الحرب على إيران.

لم تعد المعركة تدور حول إسقاط النظام الإيراني أو إخضاع الجمهورية الإسلامية، بل انتقلت إلى مستوى جديد: من يسيطر على مضيق هرمز؟ ومن يملك القدرة على تهديد الاقتصاد العالمي؟ 

إن إيران نجحت في نقل ميدان الصراع من الداخل الإيراني إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي. 

بدل أن تصبح طهران تحت الحصار، أصبح العالم كله قلقا من احتمال إغلاق هرمز، ومن ارتدادات أي مواجهة على النفط والطاقة والأسواق. 

ومن هذه الزاوية الموقف الصيني.

فالصين، الدولة الصناعية الكبرى التي تعتمد على تدفق الطاقة، لم تنضم إلى الحصار الأمريكي، بل عززت تعاونها مع إيران، وأرسلت إشارات واضحة بأنها ترفض تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز أمريكية. 

لذلك نعتبر أن كل ما أعلنه ترامب حول “حرية الملاحة” لم يكن إنجازا أمريكيا، بل تكريسا للرؤية الإيرانية – الصينية المشتركة:

حرية الملاحة للجميع... إلا لمن يستخدم العقوبات والحصار والحروب وسيلة للهيمنة.

*الصين تقول لواشنطن: تايوان خط أحمر* 

لم يكن ملف تايوان تفصيلا بروتوكوليا في الزيارة، بل أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة.

فالصين ــ كما يصفها ــ أبلغت ترامب بوضوح غير مسبوق أن تايوان قضية سيادية غير قابلة للتفاوض، وأن أي محاولة أمريكية للعب بهذه الورقة ستفتح مواجهة كبرى واحتمالات صدام سيشعل العالم ولن تربح أمريكا حربها هذه أيضًا. 

ويشير إلى أن لغة القيادة الصينية خلال اللقاء لم تكن لغة مجاملة دبلوماسية، بل لغة قوة صاعدة تعرف تماما حجمها وموقعها في النظام الدولي الجديد.

حتى الشكل البروتوكولي للزيارة ــ وفق توصيفه ــ عكس هذا التحول:

الوفد الأمريكي اضطر للتخلي عن أجهزته الإلكترونية، والصين استعرضت تفوقها التكنولوجي والتنظيمي والسيادي بطريقة رمزية لكنها عميقة الدلالة. 

ومن هنا  إن بكين لم تعد تتصرف كدولة تخشى العقوبات أو التهديدات، بل كقوة عالمية تضع خطوطا حمراء للولايات المتحدة نفسها، ويضطر الرئيس الأمريكي إلى القبول والخضوع حيالها.

*العالم ينفضّ عن واشنطن* 

من أبرز الأفكار  أن أخطر ما تواجهه أمريكا اليوم ليس قوة خصومها فقط، بل انهيار شبكة الهيمنة التي بنتها بعد الحرب العالمية الثانية. 

فالدول التي كانت تدور بالكامل في الفلك الأمريكي بدأت ــ بحسب قراءته ــ تعيد حساباتها: 

- أوروبا تبحث عن حلول مستقلة بعيدا عن المغامرات الأمريكية.

- كوريا الجنوبية لم تعد متحمسة للحروب الأمريكية.

- اليابان تبحث عن الطاقة الروسية.

- دول الخليج بدأت تخفف اندفاعتها نحو المشروع الإسرائيلي. 

- وحتى الإمارات، التي كانت منخرطة بعمق في المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، بدأت ــ بحسب وصفه ــ “تفكر بالقفز من السفينة الغارقة”.

إن العالم لم يعد يخاف أمريكا كما في السابق، لأن صورة القوة التي لا تُهزم سقطت في العراق وأفغانستان واليمن وغزة وإيران. 

والأهم أن الهيمنة الأمريكية لم تعد قادرة على إنتاج الإقناع بأنها الحامية ، بل باتت تُرى كمنظومة ابتزاز وحصار وقرصنة اقتصادية. 

*أمريكا ليست قدرا... بل إمبراطورية هرمة في طور الانحسار* 

نرفض فكرة التعامل مع الولايات المتحدة كقوة أبدية أو قدر تاريخي لا يسقط.

ونذكّر بأن كبار المفكرين والجيوبوليتيكيين الأمريكيين أنفسهم كتبوا منذ سنوات عن “العالم ما بعد أمريكا” وعن بداية أفول الإمبراطورية وهو ما أكدناه غير مرة منذ سنوات. 

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن ما يجري اليوم ليس حادثا عابرا، بل بداية تفكك البنية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. 

الأزمة الاقتصادية، الانقسام الداخلي، التضخم، التراجع الصناعي، الانكفاء الاجتماعي، وتآكل الثقة بالحلم الأمريكي... كلها مؤشرات  ودلائل على أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار البنيوي. 

لذلك يكرر أن العالم بدأ يقول فعليا: “باي باي أمريكا”.

*لماذا تبدو الصين بديلا جذابا؟* 

لا تكمن قوة الصين فقط في اقتصادها أو تكنولوجيتها، بل في طبيعة علاقتها مع الدول الأخرى. 

فالصين ــ كما يصفها ــ لا تأتي بالجيوش والأساطيل لاحتلال الشعوب، بل بالمصانع والاستثمارات والتبادل التجاري.

هي قوة تبحث عن المصالح المتبادلة، لا عن إخضاع الأمم بالقوة العسكرية المباشرة. 

ويعقد مقارنة حادة بين النموذجين:

النموذج الأنغلوسكسوني القائم على التوحش: حروب، حصار، عقوبات، نهب، قواعد عسكرية، وابتزاز سياسي. 

النموذج الصيني القائم على تقاطع المصالح والشراكة: شراكات اقتصادية، تصنيع، استثمارات، وبناء مصالح طويلة الأمد.

ولهذا نرى أن كثيراً من دول العالم باتت تميل طوعا نحو الصين، لأنها ترى فيها فرصة للنهوض، لا مشروعا للسيطرة والتفكيك. فأهلا بالصين إذن.

*الخطر الحقيقي: بغداد وبيروت* 

في أخطر محاور قراءتنا  عند مشهد صعود الصين أو تراجع الولايات المتحدة بوصفهما تحولا جيوبوليتيكيا عالميا فقط، بل نحاول أن نقرأ أين ستنفجر المعركة التالية بعد انكسار المشروع الأمريكي في المواجهة المباشرة مع إيران ومحور المقاومة. 

فبحسب رؤيتنا عندما تفشل الإمبراطوريات في الحروب الكبرى، فإنها تنتقل إلى الحروب البديلة:

حروب التفكيك الداخلي، تصنيع الانقسامات، إنتاج سلطات رخوة، وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية من الداخل بدل الغزو العسكري المباشر. 

ورغم إشادته بصعود الصين وتراجع أمريكا، يحذر عوض من الوقوع في وهم الاطمئنان الكامل.

نحن  نرى أن واشنطن وتل أبيب، حتى وهما في حالة تراجع، لا تزالان قادرتين على إنتاج الفوضى والتخريب. 

ومن هنا ننتقل إلى التحذير من الساحتين العراقية واللبنانية، نعتبر أن “الحرب الحقيقية” قد تُدار عبر ترتيبات سياسية وأمنية داخل بغداد وبيروت. 

في لبنان، يعتبر أن ما يجري في واشنطن ليس “تفاوضا” بل عملية استدعاء وفرض وإملاء تهدف إلى إنتاج سلطة تمنح الشرعية للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي تنفذها سلطة سقطت بالباراشوت لتنفذ المشروع الصهيو أمريكي وتمهد عبر المفاوضات الشكلية لتدخل قوات دولية بحجة حصر السلاح بيد الدولة ولن تكون هذه القوى الدولية عندها إلا المارينز والجيش الإسرائيلي. 

وفي العراق، نبدي قلقا من التحولات السياسية الجارية، ومن محاولات تفكيك قوى المقاومة وإعادة تشكيل السلطة بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، ويحذر أصحاب الشأن في إيران من أن تجاهلهم لما يجري في الساحة العراقية خطر حقيقي سيهدد أي إنجاز إيراني في الحرب. 

لذلك نصرّ على أن الخطر لم ينته، بل تغيّر شكله فقط.

الخطر الحقيقي: بين بغداد وبيروت تُرسم خرائط المرحلة المقبلة 

*من الحرب العسكرية إلى حرب تفكيك الدول* 

إن واشنطن بعد عجزها عن إسقاط إيران عسكريا، وبعد فشلها في فرض وقائع استراتيجية حاسمة عبر القوة الصلبة، انتقلت إلى نمط مختلف من الاشتباك:

إعادة هندسة المشرق العربي عبر الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية. 

في هذا السياق، تصبح بغداد وبيروت ساحتي اختبار أساسيتين.

فالهدف ــ وفق التحليل ــ لم يعد احتلال العواصم بالدبابات كما حدث في العراق سنة 2003، بل خلق سلطات محلية تمنح الغطاء الشرعي للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي، وتنفذ المطلوب بأدوات داخلية وتحت عناوين “الشرعية الدولية” و”الإصلاح” و”ضبط السلاح” و”حماية الاستقرار”، كما في السلطة الفلسطينية وسلطة الأمر الواقع في دمشق وسلطة أبو عمر في لبنان، ويحذر من نموذج "الزيدي" في العراق. 

ومن هنا نكرر أن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس الحرب المباشرة، بل “التوقيع المحلي” على مشاريع التفكيك.

*في واشنطن: أمريكا لا تفاوض أدواتها ... بل تستدعيهم للإبلاغ* 

في توصيف شديد القسوة،  نصف ما يجري بين واشنطن وبعض المسؤولين في سلطة الأمير المزيف في لبنان بأنه “تفاوض”.

فبرأينا ، التفاوض يفترض وجود طرفين يمتلكان الإرادة والقدرة والندية، بينما ما يجري  هو “استدعاء للإبلاغ وأوامر للتنفيذ وتنازلات للتوقيع”. 

أي أن الولايات المتحدة، بحسب قراءتنا ، لا تتعامل مع السلطة اللبنانية كشريك، بل كأداة مطلوب منها إعطاء الغطاء السياسي والقانوني والإعلامي لما يُراد تنفيذه ميدانيا. 

ونحذر هنا من خطورة البيانات الرسمية والاتفاقات التي قد تبدو تقنية أو إجرائية، لأنها قد تتحول لاحقا إلى غطاء قانوني يسمح بإعادة إنتاج الوصاية الأمنية والسياسية على لبنان. 

فالمشكلة، في نظرنا، ليست في العبارات الدبلوماسية، بل في ما يُبنى خلفها من وقائع ميدانية:

- تدمير لبنان كل لبنان.

- شرعنة التدخلات الأمريكية كقوة احتلال بغطاء تدخل دولي.

- منح إسرائيل حرية الحركة الأمنية والأرض اللبنانية.

- تحويل الدولة إلى أداة ضغط على بيئتها الداخلية.

- وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية قد تصل إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من الاحتلال المقنّع.

*هدف المشروع: ساحل الشام... الجنوب... والزهراني* 

نربط بين ما يجري سياسيا وبين مشروع جغرافي – اقتصادي أخطر بكثير.

نرى أن هناك سعيا أمريكيا – إسرائيليا لإعادة تشكيل الساحل الشرقي للمتوسط وربطه بممرات الطاقة والنقل والتطبيع. 

ومن هنا يفسر التصعيد المتكرر حول الجنوب اللبناني والساحل والزهراني، نعتبر أن القضية ليست مجرد مواجهة أمنية مع المقاومة، بل محاولة لتغيير وظيفة الجغرافيا اللبنانية نفسها. 

بحسب هذا التحليل، المطلوب:

- تفريغ بيئات معينة من عناصر القوة.

- تحويل مناطق استراتيجية إلى فضاءات اقتصادية مرتبطة بالمشروع الغربي.

- وإعادة بناء السلطة بما يجعلها حارسا لهذا التحول لا معرقلا له.

ولهذا يكرر التحذير من أن التهجير والتدمير والضغوط الاقتصادية ليست أحداثا منفصلة، بل أجزاء من مشروع متكامل لإعادة تشكيل لبنان سياسيا وديموغرافيا واقتصاديا. 

*المواجهة الاستباقية واسقاط منظومة الارتهان  والوعي العابر للطوائف ثلاثية كسر المشروع الخبيث في لبنان* 


لكننا  لن يكتفِ في هذا المحور بالتحذير من خطورة المسار السياسي والأمني الجاري في لبنان، بل نطرح بشكل واضح سلسلة من “أساليب المواجهة” التي نعتبرها ضرورية لمنع تمرير ما نراه مشروعاً أمريكياً – إسرائيلياً يُدار عبر السلطة اللبنانية وبعض الترتيبات الدولية بهدف احتلال كل لبنان وإبادة كل من يقف حجر عثرة على خارطة امتداد المشروع الاقتصادي . وذلك عبر: 

*أولاً: كشف حقيقة ما يجري وعدم التعامل معه كتفاوض طبيعي*   إن الخطوة الأولى في المواجهة هي كسر الرواية الرسمية والإعلامية التي تصف ما يجري بأنه “تفاوض” أو “مساعٍ دبلوماسية”

لذلك نعتبر أن أول أدوات المواجهة هي:

- فضح طبيعة المسار الحقيقي،

- وعدم الانخداع بالمصطلحات الدبلوماسية،

- والتنبيه إلى أن الخطر يكمن في المضمون لا في الشكل. 

*ثانياً: رفض منح الشرعية لأي ترتيبات تمسّ المقاومة أو البيئة الحاضنة*  نحذر بوضوح من خطر تمرير مشروع للتدخل دولي ومن هنا نطرح ضرورة:رفض أي تفويض رسمي يسمح باستهداف المقاومة،

أو يسمح بإعادة تشكيل الوضع الأمني بما يخدم إسرائيل،

أو يفتح الباب لقوات أجنبية أو ترتيبات أمنية جديدة.

ويركز خصوصاً على فكرة أن البيانات الحكومية أو التفاهمات الدولية قد تتحول لاحقاً إلى “مرجعية قانونية” تُستخدم لتبرير: الضغوط،الحصار،

الملاحقات،أو حتى التدخلات العسكرية غير المباشرة. 

*ثالثاً: المواجهة الاستباقية لا انتظار وقوع المشروع* 

من أكثر النقاط التي شددنا عليها إن الخطر “داهم لكنه سهل المواجهة إذا جرى التعامل معه مبكراً”.

أي أننا نرفض سياسة الانتظار أو الرهان على الوقت.

ونرى أن المطلوب هو: خطوات استباقية،تعبئة سياسية وشعبية،ورفع مستوى الوعي قبل تثبيت الوقائع الجديدة.

وخلق أمر واقع،ثم تحويله لاحقاً إلى وضع دائم. 

*رابعاً: إعادة بناء حالة سياسية وشعبية عابرة للطوائف* من النقاط اللافتة في طرحنا رفض اختزال المسألة بصراع مذهبي أو طائفي. ونقول بوضوح إن المشروع لا يستهدف “الشيعة كشيعة”، بل يستهدف الموقع الجغرافي والسياسي للمقاومة وكل البيئة التي تعيق المشروع الإسرائيلي.

ولهذا ندعو إلى: بناء اصطفاف وطني واسع،إعادة التواصل بين القوى الاجتماعية،وعدم ترك الساحة لخطاب التحريض والانقسام. 

*سادساً: التمسك بعناصر القوة وعدم تسليمها* في محور حساس جداً، نرفض أي نقاش يؤدي إلى تجريد القوى المقاومة أو المجتمعات المحلية من عناصر القوة الذاتية.

ونعتبر أن: السلاح في بيئة تتعرض لخطر الإبادة  ليس تفصيلاً، وأن الشعوب التي تواجه تهديدات وجودية لا يمكن أن تُترك بلا قدرة دفاعية،

خصوصاً في ظل غياب ضمانات حقيقية.

ومن هنا إذا لا بد من السقوط فلتسقط سلطة العهد المزيف إذن. 

*سابعاً: تحويل المواجهة إلى معركة وعي* أحد أهم الأساليب التي طرحناها هي “المواجهة بالعقل”.

فنحن  ننتقد بشدة: التهويل الإعلامي، الانفعالات، التسليم بالروايات الجاهزة،والتعامل العاطفي مع الأحداث.

بل لا بد من قراءة الوقائع،

تحليل المؤشرات،ربط الأحداث ببعضها، وفهم التحولات الدولية الكبرى التي تقف خلف التفاصيل المحلية بدلا من الاستمرار في التعبد في معبد أفكار الماضي المتهالك. 

*بغداد: نقطة المقتل للنصر الإيراني والخطر الوجودي الداهم تفكيك الساحة العراقية؟* 

في العراق، يبدو القلق أكثر تعقيدا.

نحن لا نتحدث عن هزيمة إيرانية مباشرة، لكننا نطرح أسئلة تحذيرية حول التحولات السياسية الأخيرة، ونرى فيها مؤشرات على محاولة أمريكية لإعادة الإمساك بالساحة العراقية عبر أدوات جديدة. 

بحسب رؤيتنا ، واشنطن أدركت أن المواجهة العسكرية المباشرة مع فصائل المقاومة لم تحقق أهدافها، لذلك انتقلت إلى العمل على:

- تفكيك التحالفات الداخلية.

- إعادة إنتاج نخب سياسية جديدة تتبع مشروعها 

- إبعاد القوى المرتبطة بالمقاومة عن القرار التنفيذي.

- وتحويل الدولة العراقية تدريجيا إلى سلطة وظيفية متناغمة مع المشروع الأمريكي.

ومن هنا نقرأ بعض التفاهمات والتحولات الحكومية باعتبارها جزءا من معركة أكبر على هوية العراق وموقعه في الصراع الإقليمي. ونتساءل من هو علي الزيدي الذي أزاحت أمريكا المالكي المرشح المتوافق عليه في إيران لصالح أن تقدمه؟ وأليس هذا ما جرى في لبنان قبل المجيء بسلطة أبو عمر؟ ولماذا تتعالى أصوات حصرية السلاح وعدم شرعية المشاركة للفصائل المسلحة؟ عن أي فصيل يتحدثون؟ أليس هذا الإيقاع نفسه بنشازه العلني تكرر في المشهد اللبناني؟ 

في كل هذه الأسئلة نعلق جرس الإنذار ونرفع حدة التحذير لنقول: أيا كان نمط النصر الذي حققته إيران بحربها العسكرية سيتلاشى ويعود هزيمة كاسرة إذا لم تتنبه لخطورة ما يعد لها على الساحة العراقية.

*الخطر الأكبر: خسارة الرافدين والشام* 

في قلب هذا التحليل، تطرح  فكرة نعتبرها مصيرية:

حتى لو ربحت إيران المواجهة الكبرى في الخليج أو فرضت معادلات جديدة في مضيق هرمز، فإن خسارة العراق أو الشام تعني انقلاب التوازن الاستراتيجي كله ونهاية إيران نفسها. 

ولهذا نكرر تحذيرنا  : ما نفع الانتصار في هرمز إذا خسر الإيراني عمقه الجغرافي في بغداد ودمشق وبيروت؟ 

فالعراق وسوريا ولبنان، في نظرنا ، ليست ساحات منفصلة، بل المجال الحيوي الذي يحدد مستقبل التوازن الإقليمي كله.

وأي اختراق كبير فيها قد يسمح للولايات المتحدة وإسرائيل بإعادة إنتاج مشروع الهيمنة حتى بعد التراجع العسكري المباشر.

إن الخطر داهم لكنه قابل للمواجهة؟* 

رغم قتامة المشهد، لا نطرح الأمور بوصفها قدرا محتوما.

بل نرى أن المشروع الأمريكي – الإسرائيلي يواجه أزمة عميقة لأنه يتحرك في بيئة إقليمية تغيّرت جذريا:

- أمريكا لم تعد القوة المطلقة.

- إسرائيل تعاني استنزافا غير مسبوق في عديد وعتاد جيشها. وسط قلق من تمرد الجيش

- الشعوب فقدت الثقة بالرواية الغربية.

- والمحور المقابل راكم خبرات وقوى وقدرات ردع.

لكن المشكلة، بحسب طرحنا ، تكمن في سوء التقدير والاطمئنان الزائد، أو في تحويل الانتصارات العسكرية إلى غفلة سياسية. 

ولهذا نكرر الدعوة إلى:

- الانتباه للتحولات الناعمة.

- قراءة الوقائع لا الشعارات.

- وعدم التسليم بأن التراجع الأمريكي يعني انتهاء الخطر. 

فالأمريكي والانغلوساكسوني والصهيوني ، يتكيّف مع الهزائم ويبدّل أدواته باستمرار، وينتقل من الحرب العسكرية إلى الحرب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. 

*العالم الجديد: زمن المصالح لا زمن البلطجة* 

نختم  قراءتنا بالقول إن البشرية تدخل مرحلة جديدة عنوانها التعاون لا الهيمنة، والتكامل لا الاحتلال. 

العالم ــ وفق هذا التصور ــ لم يعد يقبل بمنطق “الشرطي الأمريكي” الذي أعلن ترامب حقيقته "القرصان الأمريكي" الذي يفرض إرادته بالقوة والعقوبات والحروب.

بل يتجه نحو تعددية قطبية تقودها قوى صاعدة، في مقدمتها الصين وروسيا وآسيا. 

ولهذا تعتبر أن ما جرى في بكين ليس مجرد زيارة سياسية، بل لحظة تأسيسية لعالم جديد. 

عالم يقول فيه الشرق بثقة متزايدة: لقد انتهى زمن القطب الواحد.والصينيون قادمون... باي باي أمريكا. 

🖋 ميخائيل عوض

تعليقات