الشهيد / نبيل العمري
سيرةُ رجلٍ انتصر للإنسانية حتى في اللحظات الأخيرة
ليست أعمار الرجال بعدد السنوات التي يعيشونها، بل بما يتركونه من أثرٍ في قلوب الناس وذاكرة الأوطان. فهناك من يمرون في الحياة مرورًا عابرًا لا يُرى، وهناك من يرحلون مبكرًا لكنهم يخلّدون أسماءهم بمواقفٍ أعظم من الزمن نفسه. ومن بين أولئك الرجال الذين اختصروا الحياة في معنى الشرف والتضحية والوفاء، يبرز اسم الشهيد البطل/ نبيل عبدالله أحمد عبدالله الفرع العمري، ذلك الشاب الذي عاش نقيّ القلب، صادق الانتماء، كبير الإنسانية، ورحل شهيدًا وهو يؤدي أنبل الواجبات الإنسانية.
في الرابعة والعشرين من العمر، يكون الإنسان عادةً واقفًا على أبواب الحياة، يحمل أحلامه الصغيرة والكبيرة، يفكر بمستقبله، بشهادته، ببيته، وبسنوات العمر القادمة التي لم تبدأ بعد. في هذا العمر تكون الطموحات ما تزال خضراء، والأيام ممتدة كأفقٍ لا نهاية له، لكن الشهيد نبيل لم يكن رجلًا عاديًا يقيس الحياة بطولها، بل كان من أولئك الذين يقيسونها بقيمة الموقف وصدق المبادئ وعظمة العطاء.
لم ينتظر أن يصبح أكبر سنًا ليكون مسؤولًا، ولم يؤجل واجبه حتى تتحسن الظروف أو تهدأ العواصف، بل حمل همّ وطنه والناس في قلبه منذ وقتٍ مبكر، ومضى في طريقه مؤمنًا أن الرجال الحقيقيين لا يصنعهم الكلام، بل تصنعهم المواقف حين تضيق السبل ويهرب الآخرون.
لقد رحل الشهيد نبيل وهو ما يزال في مقتبل العمر، لكنه ترك وراءه سيرةً تفيض بالنبل والبطولة والإنسانية، سيرة لا تُقرأ كخبرٍ عابر، بل كحكاية وفاءٍ وتضحية نادرة، تشبه الأساطير التي يولد فيها الرجال كبارًا مهما كانت أعمارهم قصيرة.
في قرية أمسدارة بمديرية سرار بمحافظة أبين، تلك القرية التي تعانق الجبال الشامخة ويولد فيها الرجال وهم يحملون الكبرياء والشرف في أرواحهم، أبصر الشهيد البطل نبيل عبدالله أحمد عبدالله الفرع العمري النور عام 1970م، ليترعرع في بيئةٍ عُرفت بالنخوة والوفاء وصلابة المواقف.
هناك، حيث تمتزج قسوة الجبال بعظمة الرجال، وحيث تحفظ الذاكرة الشعبية قصص المناضلين والأوفياء، بدأت تتشكل شخصية الشهيد نبيل منذ طفولته الأولى. كان مختلفًا عن أقرانه بهدوئه واتزانه وأخلاقه الرفيعة، يحمل روحًا شفافة وقلبًا رحيمًا، وكأن القدر كان يهيئه منذ الصغر ليكون واحدًا من أولئك الرجال الذين يمرون في الحياة بخطوات هادئة، لكن آثارهم تبقى عميقة لا يمحوها الزمن.
كبر الشهيد نبيل وفي داخله قلبٌ يتسع للجميع، قلبٌ يشبه وطنًا كبيرًا لا يعرف الحقد ولا الأنانية. عرفه الناس بطيبته الفطرية وتواضعه النادر ونقاء سريرته، فلم يكن متكبرًا رغم احترام الناس له، ولا قاسيًا رغم صعوبة الحياة من حوله. كان قريبًا من الجميع بعفويته الصادقة وكلماته الطيبة وأخلاقه العالية، يحمل احترامًا عظيمًا للناس، ويعامل الجميع بوجهٍ بشوش وقلبٍ صادق.
كان هادئ الطباع، قليل الكلام، لكنه إذا تحدث أنصت له الجميع لما عرفوه فيه من صدقٍ ورجاحة عقل. لا يرفع صوته إلا دفاعًا عن الحق، ولا يمد يده إلا لفعل الخير، ولذلك أحبه كل من عرفه من أهلٍ وأصدقاء وزملاء، ورأوا فيه صورة الشاب الأصيل الذي جمع بين الأخلاق الرفيعة والقوة في المبدأ.
بدأ الشهيد نبيل مسيرته التعليمية في مدرسة أمسدارة، وهناك ظهرت ملامح تميزه المبكر بين زملائه، فقد كان مجتهدًا ومتفوقًا منذ سنواته الدراسية الأولى، يحرص على العلم كما يحرص على الأخلاق والانضباط. ثم انتقل لاحقًا إلى مدرسة الزهراء في عاصمة محافظة أبين لمواصلة تعليمه الثانوي، وهناك لمع اسمه أكثر بين زملائه ومدرسيه، ليس فقط بتفوقه الدراسي، بل أيضًا بأدبه واحترامه والتزامه.
كان مثالًا للشاب الطموح الذي جمع بين الذكاء والرقي، وبين الاجتهاد والتواضع، فكان دائم الحضور في المراتب الأولى خلال سنوات الثانوية العامة، الأمر الذي جعل الجميع يتوقع له مستقبلًا كبيرًا وحياةً مليئة بالنجاحات والإنجازات.
لكن الشهيد نبيل لم يكن شابًا يعيش لنفسه فقط، بل كان يحمل في داخله إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه وطنه وأهله، ولذلك اختار أن يسلك طريق الخدمة العسكرية، إيمانًا منه بأن خدمة الوطن شرفٌ عظيم لا يحمله إلا الرجال الأوفياء.
التحق بالسلك العسكري في دائرة الاتصالات العسكرية بمديرية دار سعد بالعاصمة عدن، وهناك تلقى دورة تخصصية في هندسة الأجهزة والاتصالات، وأظهر خلال فترة تدريبه كفاءة عالية وقدرات متميزة جعلته يحظى باحترام قياداته وزملائه. كان جادًا في عمله، منضبطًا في أداء واجباته، محبًا للتعلم والتطوير، حتى أصبح واحدًا من أبرز الكوادر الفنية في وحدته العسكرية.
تنقل الشهيد نبيل عبدالله العمري بين عددٍ من المواقع العسكرية، من بينها لواء زنجبار بمحافظة أبين، ثم عاد لاحقًا إلى العاصمة عدن، وظل في كل موقع يؤدي واجبه بإخلاصٍ نادر وشعورٍ عظيم بالمسؤولية. لم يكن ينظر إلى عمله كوظيفةٍ عابرة، بل كرسالة شرف وانتماء، وكان مؤمنًا أن خدمة الوطن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهمة عسكرية.
ومع اندلاع حرب عام 1994م، وما حملته تلك الأيام من خوفٍ ودمارٍ ومآسٍ قاسية، ظهرت معادن الرجال الحقيقية، وكان الشهيد نبيل واحدًا من أولئك الذين كشفوا عن جوهرهم النبيل في أصعب اللحظات. ففي الوقت الذي كان كثيرون يبحثون عن النجاة لأنفسهم، كان هو يبحث عن إنقاذ الآخرين، غير آبهٍ بالخطر أو الموت.
وفي واحدٍ من أكثر الأيام دمويةً بمدينة المنصورة في العاصمة عدن، وتحديدًا في تاريخ 17/6/1994م، سقط صاروخ على منزلٍ قريب من سكن الطلاب، الذي كان يزورهم للاطمئنان عليهم، فتعالت صرخات النساء والأطفال من تحت الركام، وامتلأ المكان بالدخان والخوف والفوضى.
في تلك اللحظة المرعبة، لم يتردد الشهيد نبيل لحظة واحدة، بل اندفع بكل شجاعة ونخوة مع رفيق دربه الشهيد/ عبدالرقيب زين أحمد ناصر الشيبة الطالبي وعددٍ من زملائهم نحو موقع القصف، محاولين إنقاذ المدنيين وانتشال العالقين من تحت الأنقاض، غير مكترثين بالموت الذي كان يحوم فوق المكان.
لقد كان بإمكانه أن يبتعد وينجو بنفسه، لكنه اختار أن يقترب أكثر من الخطر لأن ضميره الإنساني كان أكبر من خوفه، ولأن الرجال العظماء لا يفكرون بأنفسهم حين تكون أرواح الأبرياء في خطر.
لكن الحرب كانت أشد قسوة مما توقع الجميع، إذ باغتتهم يد الغدر بصاروخٍ آخر استهدفهم أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني، ليسقط الشهيد نبيل عبد الله أحمد العمري شهيدًا في مدينة المنصورة بالعاصمة عدن، إلى جانب رفيق دربه الشهيد عبدالرقيب زين الشيبة وعددٍ من زملائهم.
سقطوا شهداء وهم لا يحملون سلاح الحرب، بل يحملون شرف الإنسانية وإنقاذ الأبرياء، ولذلك كان استشهادهم أعظم من مجرد معركة، لأنه كان موقفًا أخلاقيًا خالدًا يختصر معنى الرجولة الحقيقية.
وهكذا رحل الشهيد نبيل جسدًا، لكنه بقي أكبر من الغياب، لأن الرجال الذين يرحلون وهم ينقذون الآخرين لا يموتون أبدًا، بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى قصص فخر تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.
لقد عاش الشهيد نبيل كريم الأخلاق، نقي القلب، شجاع الموقف، صادق الانتماء، ورحل كما يرحل العظماء الذين يكتبون أسماءهم بدمائهم الطاهرة في صفحات المجد والوفاء.
وستبقى سيرته شاهدًا على أن البطولة ليست دائمًا في حمل السلاح، بل قد تكون في لحظة إنسانية صادقة يختار فيها الإنسان إنقاذ الآخرين رغم معرفته أن الموت أقرب إليه من الحياة.
رحم الله الشهيد البطل نبيل عبدالله أحمد عبدالله الفرع العمري، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ذكراه خالدةً في وجدان الوطن، وفي قلوب كل من عرف معنى الوفاء والتضحية والإنسانية.
من كتاب(الخالدين)للمؤلف،/عبدالوهاب العمري

تعليقات
إرسال تعليق