من ضجيج التهديد إلى صمت الارتباك
إن زيارة دونالد ترامب إلى الصين جاءت محطة مفصلية كشفت حجم التحول الجاري في ميزان القوى العالمي بعد النتائج التي ظهرت وقائع ومعطيات لحرب التوحش الدائرة. فالرجل الذي اعتاد أن يحكم العالم بالتغريدات والتهويل والصفقات، عاد من بكين أقل صخبًا، أكثر انضباطًا، وأشد حرصًا على كلماته.
هذا التحول ليس تبدلًا في شخصية ترامب، بل انعكاس مباشر لصدمة اصطدام “عقل السمسار” بجدار حضارة تعرف ماذا تريد، وتمتلك مشروعًا طويل النفس، ورؤية استراتيجية لا تُدار بعقلية السوق والمضاربات.
قبل الزيارة، أغرقت مراكز الأبحاث والإعلام الغربي العالم بسيناريوهات تتحدث عن ضغوط هائلة على الصين، وصفقات كبرى، وتفاهمات حول إيران والمنطقة. لكن ما جرى في بكين كان مختلفًا تمامًا.
الصين لم تُظهر خوفًا، ولم تتعامل مع ترامب بوصفه “سيد العالم”، بل كرئيس لقوة متراجعة تحاول وقف انحدارها.
في الوقت الذي تتشكل الصين قائدة شريكة في عالم اوراسي صاعد مهدت له تضحيات أمتنا على مدى مئة عام.
*الصين: أمة ثابتة لا تُخدع بالاستعراض*
إن ما واجهه ترامب في بكين ليس مجرد دولة عظمى، بل “أمة حضارية” متجذرة في التاريخ، تملك فلسفة حكم، ونظامًا اجتماعيًا، ونمط إنتاج، ورؤية للعالم تختلف جذريًا عن النموذج الغربي.
في الصين، لا تُدار السياسة بردود الفعل ولا بعقلية الأرباح السريعة.
هناك قيادة تنظر إلى الزمن بوصفه عنصر قوة، وإلى الاستقرار بوصفه قاعدة التقدم. ولهذا لم تستطع كل محاولات الإغراء أو التهديد أو الضجيج الأمريكي أن تنتزع من بكين تنازلًا استراتيجيًا واحدًا.
الصين، أظهرت لترامب حدود القوة الأمريكية.
لم توافق على تطويق إيران، ولم تتراجع عن دعم حرية التجارة وفق رؤيتها، ولم تسمح بتحويل ملف تايوان إلى ورقة ابتزاز. بل أكدت بوضوح أن تايوان خط أحمر، وأن منطق الهيمنة انتهى.
ومن هنا فإن الهدوء المفاجئ الذي أصاب ترامب بعد عودته.
فالرجل الذي كان يملأ العالم صراخًا ووعيدًا، عاد محكومًا بحسابات أكثر دقة، لأن ما شاهده في بكين أكد له أن أمريكا لم تعد القطب الأوحد، وأن العالم دخل فعلًا زمن التعددية القطبية.
*أوراسيا تصعد… والإمبراطورية الغربية تهرم*
فإن الزيارة كرّست حقيقة استراتيجية كبرى:
أوراسيا أصبحت مركز الثقل الجديد في العالم.
روسيا والصين وإيران والقوى الصاعدة في آسيا لم تعد مجرد أطراف تواجه الغرب، بل تحولت إلى قوة تاريخية تصوغ قواعد العالم القادم.
القوة لم تعد فقط في حاملات الطائرات والعقوبات، بل في الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا والصبر الحضاري والقدرة على الاحتمال.
وفي المقابل، تبدو الإمبراطورية الأمريكية، في مرحلة الشيخوخة السياسية والأخلاقية والأفول المتسارع.
ولهذا تزداد وحشيتها كلما تراجعت قدرتها على السيطرة، فتنتقل من إدارة العالم بالقوة الناعمة إلى إدارة الفوضى والحروب والعقوبات والمؤامرات.
*واشنطن لا تفاوض… بل تدير غرفة عمليات*
ننتقل من المشهد الدولي إلى الملف اللبناني، لنطرح قراءة شديدة الخطورة لما يجري في واشنطن.
فما يُقال عنه “مفاوضات” ليس، برأيه، تفاوضًا حقيقيًا، بل خلية للتآمر على لبنان عبر اجتماعات تنسيق وتخطيط بين الولايات المتحدة وأدواتها في سلطة أبو عمر لإعادة تشكيل لبنان بما يخدم المشروع الإسرائيلي.
ويعتبر أن تمديد الاجتماعات إلى جولات إضافية يكشف وجود تعثر وعقبات ميدانية وسياسية، لا نجاحًا كما تحاول بعض الجهات تصويره.
الهدف، وفق هذا التحليل، يتجاوز مسألة السلاح أو الترتيبات الأمنية.
المسألة تتعلق بمحاولة إسقاط النموذج اللبناني المقاوم، وإعادة بناء سلطة خاضعة بالكامل للمنظومة الأمريكية – الإسرائيلية، عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ولهذا إن ما يجري ليس حوارًا بين أطراف متكافئة، بل “استدعاء” أمريكي لأدوات محلية وإقليمية بهدف توزيع الأدوار وتنظيم مسار المواجهة المقبلة ضد لبنان.
*الميدان لا التآمر هو من يقرر*
ورغم خطورة ما يجري، إن الوقائع الميدانية لا تزال تقف حجر عثرة أمام المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
فالرهان على إخضاع لبنان بالقوة أو بالتجويع أو بالفوضى لم ينجح حتى الآن، كما أن التحولات الإقليمية والدولية لا تعمل لصالح نتنياهو وترامب.
الوقت، أصبح عامل ضغط على المشروع الغربي، لا على خصومه.
وأن نتائج الحرب في غزة، وصمود محور المقاومة، والتحولات التي أفرزتها المواجهة مع إيران، كلها عوامل ساهمت في إرباك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
لذلك فإن أي تأجيل أو تمديد للمفاوضات أو الاجتماعات لا يعني تقدم المشروع، بل قد يكون انعكاسًا لفشل في فرض الوقائع التي أرادتها واشنطن سريعًا.
*الإمارات وإسرائيل… بداية التراجع؟*
نتوقف عند مؤشرات نعتبرها شديدة الدلالة، ومنها التوتر المتصاعد بين الإمارات وإسرائيل، والنفي الإماراتي المتكرر لبعض التسريبات المتعلقة بزيارة مع نتنياهو خلال الحرب.
بالنسبة له، هذه ليست مجرد خلافات إعلامية، بل إشارات إلى تبدل في توازنات القوى، وإلى إدراك بعض الأنظمة العربية أن المشروع الإسرائيلي لم يعد يبدو رابحًا كما كان يُسوَّق سابقًا.
فالحرب، وفق هذا الفهم، لم تنتج شرق أوسط جديدًا تقوده إسرائيل، بل أطلقت مسارًا معاكسًا كشف هشاشة المشروع الأمريكي وأعاد خلط الأوراق في المنطقة كلها.
*عالم جديد يولد من قلب الفوضى*
في خلاصة قراءتنا ، نرى أن العالم لا يعيش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل مرحلة انتقال تاريخي كبرى.
النظام الذي حكم العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي يتفكك، والقواعد التي نظمت القوة والاقتصاد والسياسة الدولية تتغير بسرعة هائلة.
من هنا تأتي دعوتنا المتكررة إلى التفكير “خارج الصندوق”، وعدم الاكتفاء بالروايات الإعلامية الجاهزة.
فالوقائع المادية، كما يكرر، هي التي تحكم التاريخ، لا الأمنيات ولا الدعاية.
وبين بكين وواشنطن وبيروت، تتشكل ملامح عالم جديد:
عالم أقل خضوعًا للهيمنة الأمريكية، وأكثر انفتاحًا على تعدد القوى والحضارات، فيما تدخل المنطقة العربية مرحلة شديدة الحساسية، سيكون فيها الميدان والتحولات الدولية العامل الحاسم في رسم المستقبل.
🖊 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق