دعوة لإطلاق خريطة وطنية للأمن المناخي في الأردن.. نحو استباق المخاطر وبناء مدن أكثر صمودًا

متابعات/ صوت العرب 

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتزايد احتمالات تعرض المنطقة لظواهر جوية أكثر حدة وتطرفًا، تبرز الحاجة إلى تبني أدوات علمية متقدمة تساعد على استشراف المخاطر المناخية قبل تحولها إلى أزمات تؤثر على الإنسان والموارد والتنمية.


وفي هذا الإطار، برزت دعوة وطنية لإطلاق مشروع متكامل لإعداد خرائط الأمن المناخي للمدن والقرى الأردنية، باعتبارها منظومة علمية ومكانية متطورة تهدف إلى تحديد مناطق الهشاشة والحساسية المناخية، وتقييم مستويات التعرض للمخاطر، بما يدعم صناع القرار والبلديات والمؤسسات المعنية في وضع خطط فعالة للتكيف والحماية وفق خصوصية كل منطقة.


ويستند المشروع إلى دراسة علمية متخصصة قيد النشر أعدها الأستاذ الدكتور محمد الفرجات، أستاذ جيولوجيا المياه والبيئة والاستكشاف الجيوفيزيائي في جامعة الحسين بن طلال، والدكتورة المهندسة دانية العيساوي، المتخصصة في نظم المعلومات الجغرافية وهندسة المساحة في سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، حيث تم تطبيق النموذج بشكل تجريبي في منطقة البترا تمهيدًا لتعميمه على مختلف محافظات المملكة.


ويعتمد النموذج على إنشاء خرائط رقمية ذكية متعددة الطبقات تجمع بين البيانات المناخية والبيئية والجغرافية والعمرانية والهيدرولوجية والاجتماعية، لتحليل تأثير مجموعة واسعة من العوامل، من بينها مجاري الأودية، والانحدارات، والتكوينات الجيولوجية، ومصادر المياه، والغطاء النباتي، والتنوع الحيوي، والمواقع التراثية، والكثافة السكانية، وغيرها من المؤشرات المرتبطة بدرجات الحساسية والتأثر بالمخاطر المناخية.


ولا تقتصر مخرجات المشروع على إعداد خرائط للحساسية المناخية، بل تمتد إلى بناء خرائط متكاملة للمخاطر من خلال دمج مؤشرات الحساسية والتعرض مع مستويات الجاهزية والبنية التحتية والخدمات والقدرات المحلية، بما يتيح تقييماً مكانياً دقيقاً لقدرة المناطق والمجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المحتملة.


ويتميز النموذج باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وأدوات النمذجة المكانية والتحليل متعدد المعايير، ما يسمح بمعالجة كميات كبيرة من البيانات وتحويلها إلى مؤشرات كمية دقيقة تدعم اتخاذ القرار وتوفر فهماً واقعياً للمخاطر وفق خصوصية كل موقع.


وقد طُورت النماذج بدقة مكانية تصل إلى 500 × 500 متر وفق توافر البيانات، الأمر الذي يتيح إجراء تحليلات تفصيلية على مستوى الأحياء والمناطق المحلية، ويسهم في إعداد خطط طوارئ وتكيف أكثر كفاءة وفاعلية.


وتوفر هذه الخرائط قاعدة علمية مهمة لتطوير سياسات استخدام الأراضي، وتوجيه مشاريع الحماية والبنية التحتية، وتحسين معايير البناء والتنظيم، ورفع جاهزية خطط الاستجابة للطوارئ، بما يعزز قدرة المدن والقرى الأردنية على الصمود في مواجهة آثار التغير المناخي.


وكانت فكرة المشروع قد طُرحت سابقاً أمام لجنة الخدمات العامة والزراعة والمياه في مجلس الأعيان، حيث جرى التأكيد على أهمية تطوير منظومة وطنية متخصصة للأمن المناخي تعتمد على البيانات والتحليل العلمي كأداة استراتيجية لمواجهة التحديات المناخية المستقبلية.


وتتضمن الدعوة تشكيل فريق وطني يضم الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والخبراء المختصين في مجالات المناخ والبيئة والجيوماتكس ونظم المعلومات الجغرافية والهندسة، للعمل على استكمال بناء خرائط الأمن المناخي للمملكة وتحديثها بشكل مستمر.


وأكد الدكتور محمد الفرجات والدكتورة دانية العيساوي استعدادهما لتقديم الدعم العلمي والتقني لهذا المشروع بصورة تطوعية، انطلاقاً من المسؤولية الوطنية وحرصهما على تحويل مخرجات البحث العلمي إلى تطبيقات عملية تسهم في حماية الإنسان والموارد وتعزيز التنمية المستدامة.


ويؤكد المختصون أن بناء خرائط الأمن المناخي لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في مستقبل الأردن، وقدرته على التخطيط الذكي والتكيف مع المتغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم

تعليقات