العدوان الأمريكي على إيران ينتقل من السياسة إلى الرياضة !!

د. محمد سيد أحمد 


لم تعد بطولة كأس العالم 2026 مجرد حدث رياضي عالمي يجمع الشعوب تحت راية المنافسة الشريفة، بل كشفت عن تناقضات عميقة بين الشعارات التي ترفعها بعض الدول وبين ممارساتها الفعلية على أرض الواقع. وأبرز هذه التناقضات ما تعرض له المنتخب الإيراني، الذي اضطر إلى اتخاذ مدينة تيخوانا المكسيكية مقرًا لإقامته طوال منافسات دور المجموعات، بعد أن رفضت السلطات الأمريكية السماح له بالإقامة داخل الولايات المتحدة، رغم أن جميع مبارياته كانت تقام على الملاعب الأمريكية.


ولم يعد هذا الأمر مجرد رواية إعلامية أو ادعاء سياسي، بل أصبح حقيقة وثقتها وكالة رويترز في أكثر من تقرير، كما تناولتها صحيفة الغارديان ووسائل إعلام دولية أخرى، مؤكدة أن المنتخب الإيراني كان مضطرًا إلى السفر من المكسيك إلى الولايات المتحدة لخوض كل مباراة، ثم العودة مباشرة بعد انتهائها، مع استمرار القيود المفروضة على إقامة البعثة، فضلًا عن حرمان عدد من الإداريين وأفراد الجهاز الفني من الحصول على التأشيرات الأمريكية. وقد وصف قائد المنتخب الإيراني مهدي طارمي هذه الترتيبات بأنها "كارثة"، بينما انتقد المدرب أمير قلعة نويي تأثيرها المباشر في استعدادات الفريق وأدائه. كما أعلن مسؤولو الاتحاد الإيراني لكرة القدم أن فيفا أخفق في تنفيذ وعوده بحل الأزمة.


ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن الرياضة ليست مجرد منافسة بين أحد عشر لاعبًا وآخرين، وإنما هي مؤسسة اجتماعية تقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص. وعندما يفرض على فريق أن يقطع مئات الكيلومترات قبل كل مباراة، بينما يقيم منافسوه بالقرب من الملاعب ومراكز التدريب ويتمتعون بفترات استشفاء كاملة، فإن الحديث عن عدالة المنافسة يصبح موضع شك حقيقي.


إن الإرهاق البدني والنفسي الناتج عن التنقل المستمر ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تجاهله، بل يمثل عنصرًا مؤثرًا في الأداء الرياضي. فجميع الدراسات الحديثة في علوم الرياضة تؤكد أن السفر المتكرر واختلاف بيئة الإقامة وتقليص ساعات الراحة يؤثر بصورة مباشرة في التركيز والجاهزية والاستشفاء العضلي. ولذلك فإن أي بطولة عالمية تحترم نفسها تسعى إلى توحيد الظروف اللوجستية لجميع المنتخبات، لا إلى خلق ظروف استثنائية لفريق بعينه.


وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: أين هي الديمقراطية الأمريكية التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها النموذج الأعلى للمساواة وعدم التمييز؟ فإذا كانت الولايات المتحدة تؤكد دائمًا أن القانون يسري على الجميع، فلماذا وجد المنتخب الإيراني نفسه يخضع لترتيبات مختلفة عن بقية المنتخبات؟ ولماذا أصبحت جنسية الفريق سببًا في فرض قيود استثنائية لا يتحملها أي منتخب آخر؟


قد تقول الإدارة الأمريكية إن الأمر يرتبط باعتبارات أمنية أو سياسية، ولكن الرياضة وجدت أصلًا لتكون مساحة محايدة تتجاوز الخلافات بين الحكومات. فإذا أصبحت البطولات الرياضية امتدادًا للعقوبات السياسية، فإننا نكون قد هدمنا الفلسفة التي قامت عليها الحركة الأولمبية والبطولات العالمية منذ عقود.


والأخطر من ذلك أن هذه الواقعة تعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة من التاريخ الأمريكي، حين كانت التفرقة والتمييز جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأمريكي. صحيح أن الشعب الامريكي قطع شوطًا طويلًا في مواجهة الإرث العنصري، لكن مثل هذه الوقائع تثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت بعض أشكال التمييز قد تغيرت في صورتها فقط، بينما بقي جوهرها حاضرًا عندما يتعلق الأمر بجنسيات أو دول بعينها.


ولا يمكن إعفاء الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من المسؤولية. فالمنظمة التي تتحدث باستمرار عن استقلال الرياضة وعن رفض التمييز، بدت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية اللوجستية لأحد المنتخبات المشاركة في أهم بطولة كروية في العالم. وإذا كان فيفا لا يستطيع ضمان تكافؤ الظروف بين المنتخبات، فما القيمة الحقيقية لشعاراته حول العدالة والمساواة؟


لقد اعترف مسؤولو المنتخب الإيراني بأنهم تقدموا بشكاوى إلى فيفا، كما تحدث اللاعبون علنًا عن الوعود التي تلقوها من رئيس الاتحاد الدولي دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. وهذه ليست مجرد أزمة تنظيمية، بل أزمة تمس مصداقية المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض.


أما وسائل الإعلام الدولية، فقد كان من المنتظر أن تجعل من هذه القضية عنوانًا رئيسيًا للنقاش العالمي، لأنها تمس مبدأ العدالة الرياضية. لكن التغطية جاءت محدودة مقارنة بضخامة الحدث، رغم أن وكالات كبرى مثل رويترز وصحفًا مؤثرة مثل الغارديان وثقت تفاصيل الأزمة. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الانتقائية الإعلامية، ومدى قدرة المنظومة الإعلامية الدولية على تسليط الضوء على القضايا التي قد تحرج القوى الكبرى، ومدى سيطرة هذه القوى على المنظومة الإعلامية الدولية برمتها.


إن القضية في جوهرها لا تتعلق بإيران وحدها، ولا بالدفاع عن سياسات أي دولة، وإنما بالدفاع عن مبدأ عالمي بسيط: أن جميع المنتخبات المشاركة في بطولة كأس العالم يجب أن تتمتع بالحقوق والظروف نفسها دون تمييز بسبب الجنسية أو الخلافات السياسية.


فإذا قبل العالم اليوم أن يخوض منتخب بطولة كأس العالم وهو يعيش بين المطارات والمعابر الحدودية، ويخوض مباريات مصيرية بعد رحلات شاقة، فغدًا قد يصبح هذا النموذج قابلًا للتكرار مع أي دولة أخرى تختلف سياسيًا مع الدولة المستضيفة.


إن نزاهة الرياضة لا تقاس بجمال الملاعب ولا بضخامة حفلات الافتتاح، وإنما تقاس أولًا بمدى احترام مبدأ المساواة بين جميع المشاركين. وإذا سقط هذا المبدأ، فإن البطولة تفقد جزءًا مهمًا من شرعيتها الأخلاقية، مهما بلغت قيمتها الاقتصادية أو الإعلامية.


إن العدالة الرياضية ليست شعارًا يرفع في المؤتمرات الصحفية، بل ممارسة تختبر في أصعب اللحظات. وما تعرض له المنتخب الإيراني يمثل اختبارًا حقيقيًا لفيفا وللدولة المستضيفة وللنظام الرياضي الدولي بأسره. وإذا لم تراجع هذه السابقة بجدية، فإن التاريخ قد يسجل أن كأس العالم 2026 لم يكن فقط بطولة لكرة القدم، بل كان أيضًا مناسبة كشفت كيف يمكن للسياسة أن تنتصر على الرياضة، وكيف يمكن لمبدأ تكافؤ الفرص أن يصبح أول ضحايا الصراعات الدولية، اللهم بلغت اللهم فاشهد.


بقلم/ د. محمد سيد أحمد

تعليقات