![]() |
| صورة تعبيرية تنقل الواقع |
كتبت .. سها البغدادي
لم تعد أزمة الثانوية العامة في مصر تقتصر على مستوى صعوبة الأسئلة أو الجدل السنوي حول الامتحانات، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى قضية إنسانية ونفسية تثير تساؤلات عميقة حول الضغوط التي يتعرض لها الطلاب داخل اللجان وخارجها، وحول مدى ملاءمة بيئة الامتحانات لحماية صحتهم النفسية والجسدية.
ومع انطلاق امتحانات الثانوية العامة لعام 2026، تصاعدت موجة من الغضب بين الطلاب وأولياء الأمور، بعد شكاوى متكررة من أن بعض الامتحانات جاءت طويلة وتحتاج إلى وقت أكبر من الزمن المخصص، فضلاً عن احتوائها على أسئلة مركبة تتطلب أكثر من خطوة في التفكير والحل، وهو ما دفع عدداً كبيراً من الطلاب إلى الخروج من اللجان في حالات بكاء وانهيار نفسي.
وقائع مأساوية هزت الرأي العام
ولعل أكثر المشاهد إيلاماً هذا العام كانت وفاة الطالبة جنى إبراهيم هاني داخل لجنة امتحان اللغة العربية بمحافظة الشرقية، بعدما تعرضت لأزمة قلبية مفاجئة أثناء أداء الامتحان، ورغم محاولات إسعافها فإنها فارقت الحياة، في حادثة أثارت حالة واسعة من الحزن والتعاطف.
وبعد أيام قليلة، شهدت محافظة أسيوط واقعة أكثر مأساوية، عندما ألقت طالبة بالثانوية العامة نفسها من الطابق السادس عقب عودتها من امتحان الكيمياء، وتشير التحريات الأولية إلى أنها كانت تمر بحالة نفسية سيئة بعد الامتحان، بينما باشرت النيابة العامة التحقيق للوقوف على ملابسات الواقعة.
كما تتكرر في كل موسم امتحانات أخبار عن طلاب أقدموا على الانتحار أو حاولوا إنهاء حياتهم بعد الامتحانات أو عقب إعلان النتائج، بينما يتعرض آخرون لحالات إغماء، وانهيار عصبي، وارتفاع شديد في ضغط الدم، ونوبات هلع داخل اللجان أو خارجها، نتيجة الضغوط النفسية الهائلة المرتبطة بالثانوية العامة. ورغم أن كل حالة لها ظروفها الخاصة ولا يمكن الجزم بأن الامتحان وحده هو السبب، فإن المختصين يؤكدون أن الضغط الدراسي قد يكون عاملاً مساهماً لدى بعض الحالات.
بيئة امتحانية تزيد التوتر
لا تتوقف شكاوى الطلاب عند مستوى الامتحان فقط، بل تمتد إلى ظروف أداء الامتحانات نفسها.
فقد اشتكى عدد كبير من الطلاب من:
- طول الامتحانات مقارنة بالوقت المحدد للإجابة.
- وجود أسئلة تحتاج إلى وقت أطول للتفكير والتحليل.
- ارتفاع درجات الحرارة داخل بعض اللجان، مع شكاوى من ضعف التهوية أو عدم توافر مراوح بشكل كافٍ في بعض المدارس.
- التفتيش المتكرر أثناء الامتحان وما يسببه من تعطيل وتشتيت للتركيز.
- حالة التوتر الناتجة عن الإجراءات الأمنية المتكررة لمكافحة الغش الإلكتروني.
- شكاوى متفرقة من سوء معاملة داخل بعض اللجان، وفق ما يرويه طلاب وأولياء أمور على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي أمور تختلف من لجنة لأخرى وتحتاج إلى التحقق في كل واقعة على حدة.
ويؤكد كثير من الطلاب أن كل دقيقة تضيع بسبب إجراءات التفتيش أو تنظيم اللجنة تُخصم فعلياً من وقت التفكير والإجابة، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية عليهم.
الثانوية العامة... عام من القلق والخوف
يرى متخصصون في علم النفس أن المشكلة لا تبدأ داخل اللجنة، وإنما قبلها بأشهر طويلة، حيث يعيش الطالب تحت ضغط مستمر من الأسرة والمجتمع، باعتبار الثانوية العامة هي "الفرصة الوحيدة" لتحديد المستقبل.
هذا التصور يجعل أي تعثر في الامتحان يبدو لدى بعض الطلاب وكأنه نهاية الحياة، رغم أن الواقع يؤكد وجود مسارات تعليمية ومهنية متعددة للنجاح.
ويؤدي تراكم الضغوط إلى ظهور أعراض نفسية وجسدية مثل:
- اضطرابات النوم.
- القلق الحاد.
- الاكتئاب.
- نوبات الهلع.
- الإغماء.
- اضطرابات ضربات القلب لدى بعض الحالات.
- الانهيار العصبي.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
إن الحفاظ على نزاهة الامتحانات هدف مشروع، لكن تحقيق هذا الهدف يجب ألا يكون على حساب الحالة النفسية للطلاب أو حقهم في أداء الامتحان في بيئة إنسانية مناسبة.
ويطالب أولياء الأمور وخبراء التعليم بضرورة:
- إعداد امتحانات تقيس الفهم دون أن تتجاوز الزمن المخصص.
- مراجعة الزمن المحدد لكل امتحان بما يتناسب مع عدد الأسئلة ومستواها.
- توفير تهوية مناسبة ومراوح داخل جميع اللجان خلال فصل الصيف.
- تدريب المراقبين على التعامل الإنساني مع الطلاب.
- تقليل أي تعطيل غير ضروري داخل اللجنة.
- توفير دعم نفسي للطلاب قبل الامتحانات وخلالها وبعدها.
وبكل ألم شديد أنهى كلامي
الثانوية العامة يجب أن تكون محطة تعليمية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى معركة يخسر فيها بعض الطلاب صحتهم النفسية أو حياتهم.
إن وفاة طالبة داخل لجنة امتحان، ووفاة طالبة أخرى بعد إلقائها نفسها من الطابق السادس، وما يتكرر من حالات انهيار وإغماء وبكاء جماعي، كلها مؤشرات تستوجب وقفة جادة من جميع الأطراف؛ فنجاح منظومة التعليم لا يقاس فقط بمنع الغش أو ضبط اللجان، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية أبنائها، وصون كرامتهم، وتوفير بيئة امتحانية عادلة وآمنة وإنسانية.

تعليقات
إرسال تعليق