أسيوط.. عندما تتحول المدينة إلى لوحة تحكي التاريخ

أشرف كمال وسها البغدادي 

كتبت .. سها البغدادي 

قراءة تشكيلية في عمل للفنان أشرف كمال برؤية فكرية للباحثة سها البغدادي


لا تقف هذه اللوحة عند حدود الجمال التشكيلي، بل تتجاوز ذلك لتصبح وثيقة بصرية تستعيد ذاكرة مدينة أسيوط، إحدى أقدم مدن صعيد مصر وأكثرها ثراءً بالتاريخ والتراث. فقد نجح الفنان أشرف كمال، مقدم برنامج المرسم بقناة النيل الثقافية، ومخرج بالمركز القومي للسينما، في تحويل معالم أسيوط إلى لغة تشكيلية نابضة بالحياة، بينما جاءت الفكرة والرؤية الفكرية من الباحثة في الشأن العربي والدولي سها البغدادي، في عمل مشترك يجمع بين الفن والفكر. ويُعرف أشرف كمال بنشاطه الفني والإعلامي في المجال الثقافي والإخراج. 


تقدم اللوحة وجه امرأة مصرية يتصدر المشهد، في دلالة على أن الوطن ليس مجرد أرض، بل إنسان يحمل ذاكرة المكان وروحه. فالمرأة هنا ليست شخصية بعينها، وإنما رمز لمصر، ولأسيوط تحديدًا، التي احتضنت عبر تاريخها حضارات وثقافات وأديانًا متعددة.


وفي خلفية اللوحة تتناغم معالم أسيوط التاريخية في مشهد واحد؛ فتظهر الكنائس والمساجد في تجاور بصري يؤكد أن هذه المدينة كانت وما زالت نموذجًا للوحدة الوطنية والتعايش، بينما تحضر القناطر كرمز للحياة والتنمية وربط الإنسان بأرضه، في إشارة إلى أن الحضارة لا تُبنى إلا بالتواصل والعمل المشترك.


اعتمد الفنان على درجات الأصفر والبرتقالي والذهبي، وهي ألوان تستحضر دفء صعيد مصر وشمسها، كما تمنح اللوحة إحساسًا بالعراقة والخلود. أما الخطوط والانسيابية في رسم المباني فتمنح المشاهد شعورًا بأن التاريخ يتحرك أمامه، وليس مجرد آثار جامدة.


ومن الناحية الفنية، تجمع اللوحة بين الواقعية والرمزية؛ فالملامح واضحة، لكنها لا تقدم وصفًا فوتوغرافيًا، بل تترك مساحة للتأمل، فيصبح كل عنصر فيها حاملًا لمعنى يتجاوز شكله الظاهري.


ولا تمثل هذه اللوحة عملًا منفردًا، بل تأتي ضمن سلسلة من الأعمال المشتركة بين الفنان أشرف كمال والباحثة سها البغدادي تحت عنوان "وصف مصر"، وهو مشروع فني يوثق الهوية المصرية والعربية من خلال الكادر التشكيلي، كما تناولت أعمالهما أحداثًا تاريخية ووطنية بارزة، منها الحروب المصرية، والانتصارات الوطنية، ومذبحة مدرسة بحر البقر، وغيرها من القضايا التي شكّلت الوجدان المصري والعربي.


وقد شارك الطرفان بهذه الأعمال في معارض فنية دولية، سعيًا إلى تقديم الفن المصري بوصفه لغة عالمية قادرة على نقل التاريخ والهوية والرسائل الإنسانية دون الحاجة إلى ترجمة. كما اتخذت أعمالهما من الفن والقلم وسيلتين للدفاع عن القضايا العربية، عبر توظيف اللوحة بوصفها "الكادر الواحد" الذي يختصر قصة شعب، أو حضارة، أو قضية، في صورة واحدة تحمل أبعادًا ثقافية وسياسية وإنسانية.


في النهاية، تثبت هذه اللوحة أن الفن ليس مجرد ألوان على قماش، بل هو سجل للتاريخ، ورسالة حضارية، وجسر يربط الماضي بالحاضر. ومن خلال التعاون بين ريشة الفنان أشرف كمال ورؤية الباحثة سها البغدادي، تحولت أسيوط إلى أيقونة بصرية تؤكد أن مصر تملك من التراث والإنسان ما يجعلها حاضرة في الوجدان، كما هي حاضرة في التاريخ.

تعليقات