أوراق الورد 🌹 سها البغدادي
كان الحب يومًا ما يُقاس بصدق المشاعر، ودفء الاحتواء، والقدرة على البقاء في أصعب الظروف. أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يتساءلون: هل ما زال الحب وحده يكفي، أم أن لغة المصالح أصبحت أعلى صوتًا من نبض القلوب؟
لم يعد غريبًا أن نرى شخصًا يترك شريكًا منحه الاهتمام والوفاء والاحتواء، ويتجه إلى آخر يمتلك المال أو النفوذ أو ما يحقق له مصلحة معينة. وهنا لا تكون الخسارة مجرد نهاية علاقة، بل انهيار الإيمان بقيمة المشاعر نفسها.
لكن الحقيقة النفسية أكثر تعقيدًا من ذلك. فليست كل علاقة تنتهي بسبب المال، كما أن المال وحده لا يصنع حبًا حقيقيًا. تشير دراسات في علم النفس إلى أن العلاقات طويلة الأمد تقوم على مجموعة من العناصر، أهمها الثقة، والاحترام، والتوافق، والدعم المتبادل، إلى جانب الشعور بالأمان. أما عندما تتحول العلاقة إلى صفقة تبادل للمنافع، فإنها تصبح أكثر هشاشة، لأن المصلحة قد تتغير في أي لحظة، بينما تبقى المشاعر الصادقة هي العنصر الأكثر قدرة على الصمود.
هناك من يختار شريكًا يوفر له مستوى معيشة أفضل، أو مكانة اجتماعية أعلى، وهذا حق مشروع إذا كان في إطار التفاهم والوضوح. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم استغلال مشاعر إنسان مخلص، ثم التخلي عنه بمجرد ظهور فرصة تحقق مكاسب أكبر.
إن الحب الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن طموحه أو استقراره المادي، لكنه أيضًا لا يقبل أن تكون المشاعر مجرد وسيلة مؤقتة حتى يأتي البديل الأكثر نفعًا. فالعلاقات التي تُبنى على المصلحة وحدها قد تبدو براقة في بدايتها، لكنها غالبًا ما تفقد دفئها عندما تتغير الظروف.
ربما أصبح العالم أكثر مادية، وأصبحت الضغوط الاقتصادية تؤثر في قرارات الناس، لكن ذلك لا يعني أن الحب مات. فما زال هناك من يؤمن أن أغلى ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان هو شخص يسانده بصدق، ويحتويه في ضعفه قبل قوته، ويختاره كل يوم دون حسابات الربح والخسارة.
وفي النهاية، يبقى السؤال لكل قارئ: إذا اجتمع المال والمصلحة في كفة، والحب الصادق في كفة أخرى، فأيهما يمنح الإنسان السكينة التي يبحث عنها؟
قد يشتري المال منزلًا فاخرًا، لكنه لا يشتري قلبًا مخلصًا. وقد تحقق المصالح نجاحًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع ذكريات دافئة ولا تمنح الإنسان شعور الانتماء.
ويبقى الحب الحقيقي هو الاستثمار الوحيد الذي تزداد قيمته كلما مر عليه الزمن، لأنه يقوم على الإخلاص لا على المصلحة، وعلى الوفاء لا على المنفعة، وعلى القلوب لا على الجيوب.

تعليقات
إرسال تعليق