بقلم: سها البغدادي
لم تعد حوادث الحرائق التي نشهدها بين الحين والآخر مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت مؤشرًا يستوجب التوقف أمامه بجدية، خاصة مع تكرار اندلاع الحرائق في منازل ومحال تجارية ومنشآت مختلفة، وما ينتج عنها من خسائر في الأرواح والممتلكات.
ولا شك أن قوات الحماية المدنية تبذل جهودًا كبيرة وتقدم تضحيات تستحق كل التقدير، إلا أن طبيعة بعض المناطق، وما تشهده من كثافة سكانية أو شوارع ضيقة، قد تجعل الوصول إلى موقع الحريق يستغرق وقتًا حاسمًا، تكون فيه الدقائق الأولى الفاصلة بين احتواء الحريق وتحوله إلى كارثة.
ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لإطلاق مبادرة وطنية للتوعية المجتمعية بالوقاية من الحرائق، بحيث تنظم مديريات الحماية المدنية، بالتعاون مع المحافظات ووزارة الأوقاف والكنائس ومراكز الشباب، محاضرات دورية داخل الأحياء والقرى، يقدمها ضباط متخصصون لتعليم المواطنين أساسيات السلامة، وكيفية استخدام طفايات الحريق، وطرق الإخلاء الآمن، والتعامل مع تسرب الغاز، ووسائل حماية الأطفال وكبار السن أثناء الطوارئ.
كما أقترح أن يبادر أهالي كل منطقة إلى إنشاء صندوق تطوعي، بإشراف شخصيات موثوقة وبالتنسيق مع الجهات المختصة، لتوفير الحد الأدنى من وسائل السلامة، مثل طفايات الحريق، وكاشفات الدخان، وخراطيم المياه المناسبة، وحقائب الإسعافات الأولية، وكشافات الطوارئ، لتكون متاحة عند الحاجة في الدقائق الأولى قبل وصول فرق الإنقاذ.
ومن الضروري أيضًا إعداد فرق تطوعية من شباب كل حي، بعد حصولهم على تدريب معتمد من الحماية المدنية، تكون مهمتهم تنظيم عمليات الإخلاء، ومساعدة كبار السن وذوي الإعاقة، وإرشاد سيارات الإطفاء إلى موقع الحريق، وتأمين محيط الحادث، دون تعريض أنفسهم للخطر أو القيام بأي مهام تتطلب تدخلًا احترافيًا.
وأقترح كذلك تنفيذ تجربة إخلاء سنوية في المدارس، والمستشفيات، ودور العبادة، والمراكز التجارية، لترسيخ ثقافة الاستعداد، تمامًا كما تفعل العديد من دول العالم، فالمعرفة والتدريب يختصران كثيرًا من الخسائر عند وقوع الأزمات.
إن بناء مجتمع واعٍ بقواعد السلامة ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية. فالحذر لا يمنع القدر، لكنه يأخذ بالأسباب التي أمرنا بها، وقد يكون تصرف صحيح في اللحظات الأولى سببًا في إنقاذ حياة إنسان أو حماية أسرة كاملة من مأساة.
إن حماية الأرواح مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، وكلما ارتفع مستوى الوعي والاستعداد، ازدادت قدرتنا على مواجهة الطوارئ وتقليل آثارها. فلنجعل من كل حي مدرسة للسلامة، ومن كل مواطن شريكًا في حماية مجتمعه، حتى تبقى أرواح الناس أغلى من أي خسارة، ويظل التعاون والوعي هما خط الدفاع الأول في مواجهة الحرائق.

تعليقات
إرسال تعليق