"اتفاق الإطار" أحدث وقائع المحنة اللبنانية المتصلة ، وجريمة لبنان الحقيقية عند العدو الأمريكى "الإسرائيلى" ، أن فيه مقاومة يقودها "حزب الله" اللبنانى لحما ودما واستشهادا وإعارة للجماجم فى سبيل تحرير لبنان ، وقد يقال لك أن "حزب الله" تدعمه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وهذا صحيح تماما ، ويتسق مع المغزى العام لما جرى ويجرى فى المنطقة عبر العقود الخمسة الأخيرة ، فلم توجد حركة مقاومة على جبهة الصدام مع كيان الاحتلال "الإسرائيلى" بدون دعم شبه حصرى من إيران ، ولم تعد توجد للأسف دولة عربية واحدة دعمت أيا من حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية ، لا بالمال والسلاح ولا حتى بالموقف السياسى ، فقد سقطت فلسطين وقضيتها من جداول حساب الأنظمة العربية كلها تقريبا ، واتجهت الأنظمة فى غالبها إلى ما يسمى اتفاقات ومعاهدات سلام وتطبيع مع "كيان الاحتلال الإسرائيلى" ، بل وانتقلت رياح الموجة السامة إلى داخل فلسطين المحتلة ذاتها ، وعقدت السلطة الفلسطينية اتفاقات "أوسلو" وأخواتها ، وباسم طلب السلام وإقامة دولة فلسطينية مستقلة لم تقم حتى تاريخه ، رغم أن اتفاقات أوسلو 1993و1994 وعدت بقيام الدولة عام 1999 ، وهو ما لم يحدث فى وقتها ، ولا فى عشرات السنوات التى تلت عقد "أوسلو" الأولى ، التى صدق فيها تحذير الشاعر الفلسطينى الأعظم الراحل "محمود درويش" ، الذى استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مع "عقد أوسلو" ، وقال فى خطاب استقالته "إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار " ، واليوم يجرى الانتقال بالعدوى المؤجلة من "أوسلو" فلسطينية إلى "أوسلو" لبنانية .
كان احتلال لبنان امتدادا مباشرا لاحتلال فلسطين فى عقيدة المؤسسين الأوائل لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، ولم تتوقف أبدا اعتداءات "كيان الاحتلال" على لبنان وبالذات فى جنوبه حتى قبل عقد هدنة 1949 ، ورغم أن لبنان رسميا لم يشارك فى أى حرب نظامية جرت مع "إسرائيل" ، فقد كانت الاعتداءات "الإسرائيلية" تجرى على لبنان و"مطار بيروت" فى ستينيات القرن العشرين ، وزادت وتيرة وضراوة العدوان "الإسرائيلى" على لبنان بعد خروج فصائل المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان ، وصولا إلى اجتياح "إسرائيلى" كبير عام 1978 ، ثم الاجتياح "الإسرائيلى" الأوسع فى يونيو 1982 ، والذى تم فيه حصار واحتلال بيروت ذاتها ، وإخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة "ياسر عرفات" إلى أقطار عربية أخرى ، وهنا تحول لبنان من "مأوى" لمقاومة فلسطينية إلى "منبت" لمقاومة من نوع مختلف ، وبدأت عملية صعود "حزب الله" ، بعد فترة من عمل "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" متنوعة الفصائل اليسارية والناصرية غالبا ، كانت أجواء المنطقة قد تغيرت بشدة ، وبالذات مع تواليات ماجرى فى العام 1979 ، الذى شهدت أوائله انتصار ثورة "الخمينى" الإيرانية فى 11 فبراير 1979 ، وإغلاقها سفارة "إسرائيل" فى "طهران" ، وإحلال سفارة فلسطينية محلها ، وبعدها بأسابيع ، كانت مصر الرسمية تطوى صفحات العداء لكيان الاحتلال ، وتعقد مع "العدو الإسرائيلى" ما يسمى "معاهدة السلام" فى 26 مارس 1979 .
وألقى ما جرى بظلاله الثقيلة المباشرة على وضع لبنان الحساس جدا لما يجرى من حوله ، وقد كان ويظل مرآة عاكسة لتحولات الموازين الإقليمية الكبرى ، كان لبنان زمن الصعود الناصرى فى كفالة مصر ، ثم أتى بعدها زمان لم تعد فيه مصر تكفل حتى نفسها ، وانفجرت حرب لبنان الأهلية عام 1975 ، وامتدت تأثيراتها وتفاعلاتها إلى ما بعد غزو بيروت عام 1982 ، وظهور مقاومة "حزب الله" بالدعم الإيرانى السخى ، وأبدى الجسد الوطنى اللبنانى مقاومة سياسية ومقاومة مسلحة عفية ، عصفت بالنسخة الأولى من الاتفاق مع "إسرائيل" المعروفة باتفاق 17 مايو "أيار" 1983 ، وكان اتفاق 17 أيار أقل سوءا بعشرات المرات من اتفاق الإطار الأخير ، ربما بسبب أحوال الانحطاط العربى الرسمى العام ، التى انعكست مباشرة فى الوضع اللبنانى الحساس ، وكان التحلل الرسمى العربى "الرمى" هو حجر الزاوية فيما جرى أخيرا فى لبنان ، وعقد السلطة اللبنانية التنفيذية فى الرئاسة والحكومة للاتفاق الأخير فى واشنطن ، الذى أعلن بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة مع كيان الاحتلال "الإسرائيلى" برعاية أمريكية ، واحتفلت به السلطة اللبنانية مع "إسرائيل" وأمريكا كما لو كانوا حققوا فتحا مبينا .
نعم ، يبدو اتفاق الإطار اللبنانى "الإسرائيلى" لأول وهلة ، كما لو أنه اتجاه لعقد "معاهدة سلام" على الطريقة العربية "الاستسلامية" ، التى تدهورت إلى أسوأ نسخها انحطاطا بما يسمى المعاهدات "الإبراهيمية" المتحالفة مع كيان الاحتلال ، وفيما يبدو الاستسلام لكيان الاحتلال ومن خلفه أمريكا ظاهرا مقتحما فى النص الذى بدا كتسوية متواطئة بين أطرافه ، وبألفاظ "سلامية" كاذبة ، لا تنطوى إلا على إعلان حرب جامعة ضد "حزب الله" بالذات ، حيث يجرى تكليف الجيش اللبنانى بمهمة نزع سلاح "حزب الله" بالكامل ، واعتبار تصفية وجود "حزب الله" شرطا مسبقا لأى إعادة انتشار ـ لا انسحاب ـ لجيش الاحتلال "الإسرائيلى" ، ولا يكتفى الاتفاق الأعجب بمراقبة أمريكية لصيقة لأداء الجيش اللبنانى فى نزع سلاح "حزب الله" ، بل يشترط وجود تنسيق أمنى مباشر بين جيش لبنان الرسمى وجيش الاحتلال "الإسرائيلى" ، الذى تعلن حكومة "بنيامين نتنياهو" ، أنه لن ينسحب أبدا من ما يسمى المنطقة الأمنية الصفراء فى جنوب لبنان بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات من خط الحدود الافتراضى "الخط الأزرق" .
وفى المدى الأقرب ، جرى ابتداع ما يسمى "المناطق التجريبية" ، ووصل الاستعباط والاستغفال "الإسرائيلى" إلى ذروته مع تحديده لنقطة البدء فى التنفيذ ، إذ قامت "إسرائيل" باختيار "منطقتين تجريبيتين" أوليتين فى قريتين لم تقعا بعد تحت الاحتلال "الإسرائيلى" ، هما "قرية فرون" جنوب "نهر الليطانى" ، وإضافة قرية "زوطر الغربية" شمال "الليطانى" ، وبدا الطرح هزليا مثيرا للسخرية إلى أبعد حد ، فلا تحتاج "إسرائيل" لانسحاب ولا لإعادة انتشار خارج القريتين ، فقوات الاحتلال ليست موجودة أصلا داخل القريتين ، وإن نال القريتين ما نال الجنوب اللبنانى كله من قصف وتدمير همجى ، وطرد لأغلب السكان تحت النيران ، وزاد الطين بلة أن حكومة الاحتلال سحبت عرض إعادة الانتشار الوهمى خارج القريتين ، وكل ذلك جرى ، دون أن يصدر عن السلطة اللبنانية تعقيب ولا تثريب ، وكأنها تقر عمليا بحق "إسرائيل" المطلق فى فعل وقول ما تريد ، وقد أعطت السلطة اللبنانية للعدو "الإسرائيلى" فى اتفاق الإطار حقا مطلقا فى حرية القصف ، وبدعوى "ضمان الدفاع عن النفس" المكفول للدولتين ذواتى السيادة ، بل وتعهدت السلطة اللبنانية فى المادة (13) من الاتفاق ، ألا تلجأ حتى للشكوى أو مقاضاة "إسرائيل" دوليا على جرائم التدمير والإبادة الجماعية الجارية والمستمرة فى عشرات قرى وبلدات الجنوب اللبنانى ، والأكثر إثارة للسخرية ، أن كل هذه التعهدات تجرى تحت عنوان كوميدى اسمه حفظ سيادة لبنان الكاملة على أراضيه ، وهو ما يبدو متسقا متساوقا مع هدف اتفاق الإطار الوحيد ، وهو إعلان حرب (أمريكية ـ إسرائيلية ـ لبنانية رسمية ) لاجتثاث حزب الله ، ومنع نازحى الجنوب ، وعددهم زاد إلى نحو المليون ونصف المليون ، من العودة إلى قراهم وبلداتهم ، اللهم إلا إذا أذنت "إسرائيل" ، التى تعتبر كل سكان الجنوب اللبنانى بدءا من ضاحية بيروت الجنوبية فئات معادية واجبة القتل كأعضاء "حزب الله " تماما بتمام .
وكما سقط اتفاق 17 أيار 1983 بانتفاضة فى الشارع البيروتى ، فسوف يسقط اتفاق الإطار المخزى الأخير ، الذى يعارضه اللبنانيون الشيعة بحركتيهم الكبيرتين "حزب الله" و"حركة أمل" ، وتعارضه أحزاب الطائفة الدرزية ، وفى مقدمتها حزب "وليد جنبلاط" ، وتعارضه "الجماعة الإسلامية" و"حزب التحرير" فى الوسط السنى ، وتعارضه المجموعات الناصرية فى الوسط السنى والمسيحى الأرثوذكسى ، كما "حركة الشعب" و"التنظيم الشعبى الناصرى" وجماعات يسارية وقومية الهوى من كل الطوائف اللبنانية ، ويعارضه حزب "التيار الوطنى الحر" وتيار "المردة" وغيرهما فى أوساط الطائفة المارونية ، بينما يقتصر تأييد اتفاق الإطار الحالى على ذات المجموعات المارونية التى تلقت السلاح من "إسرائيل" زمن الحرب الأهلية اللبنانية ، من نوع أحزاب "الكتائب" و"الوطنيين الأحرار" و"القوات اللبنانية" الصريحة فى الولاء لكيان الاحتلال ، ومع غلبة الرأى العام المعارض بأحزابه وزعاماته وشخوصه المؤثرة ، يبدو اتفاق الإطار ذاهبا إلى حتفه الأكيد ، والأهم أن "الجيش اللبنانى" ، وهو يحظى باحترام عام فى البيئات اللبنانية ، لا تبدو قيادته مستعدة للانخراط إلى النهاية فى حرب ضد "حزب الله" وقاعدته الشيعية ، وقد لا توجد إحصاءات دقيقة تماما ، غير أن الانطباعات المرئية تصل بنسبة الشيعة إلى نحو 40% من مجموع السكان اللبنانيين المقيمين ، وأغلبهم يدين بالولاء المطلق لحركة "أمل" وأكثر منه لمقاومة "حزب الله" ، وأى حرب ضد "حزب الله" قد تفجر الوجود اللبنانى كله .
Kandel2002@hotmail.com

تعليقات
إرسال تعليق