«صقر وكناريا»... الضحكة التي احترمت القيم، والبطولة التي أربكت الوعي

 


بقلم: د. حنان الشاذلي

معالج نفسي معتمد من وزارة الصحة المصرية

محاضر علم النفس بجامعه القاهرة فرع الخرطوم

لا أتناول هذا العمل من زاوية النقد السينمائي، فلكل ناقد أدواته ومعاييره، وإنما أتناوله من زاوية التحليل النفسي للرسائل الضمنية التي قد تصل إلى عقل المشاهد دون أن يشعر. فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، وما يُقدَّم على الشاشة قد يسهم في بناء القيم أو إعادة تشكيلها، خاصة لدى الأطفال والمراهقين والشباب.


في البداية، أود أن أسجل تقديري لعدد من الجوانب الإيجابية التي نجح فيها فيلم «صقر وكناريا». فقد استطاع أن يقدم كوميديا حقيقية راقية، صنعت الضحكة من الموقف الدرامي وخفة الظل، دون ابتذال أو إسفاف أو ألفاظ خارجة أو إيحاءات تخدش الذوق العام. وفي زمن أصبح فيه البعض يربط الكوميديا بالتجاوز، أثبت الفيلم أن الضحك النظيف لا يزال قادرًا على الوصول إلى الجمهور.


كما يُحسب لصُنّاع الفيلم أنهم ابتعدوا عن مشاهد تعاطي المخدرات والكحول، وكذلك عن المشاهد الجنسية المبتذلة، وهي عناصر أصبحت تُستخدم في بعض الأعمال بوصفها وسائل سهلة لجذب المشاهد. ومن هنا فإن الفيلم يقدم نموذجًا يؤكد أن النجاح لا يتطلب دائمًا كسر القيم أو إثارة الغرائز.


لكن، ورغم هذه الإيجابيات، فإن هناك عددًا من الرسائل النفسية التي تستحق التوقف أمامها.


أولى هذه الرسائل تتمثل في تقديم شخصية الأب بوصفها نموذجًا للقدوة والبطولة، بينما تتحقق هذه البطولة من خلال سلوك إجرامي. ومن منظور علم النفس المعرفي، فإن هذا التقديم قد يخلق حالة من التنافر المعرفي؛ إذ يجد المشاهد نفسه معجبًا بشخصية تحمل صفات إنسانية نبيلة، لكنها في الوقت ذاته تمارس أفعالًا يجرمها القانون. ومع تكرار هذه الصورة قد يصبح الفصل بين البطولة الحقيقية والبطولة الزائفة أقل وضوحًا في أذهان بعض المتلقين.


الرسالة الثانية تتمثل في أن الفيلم جعل الشخصية الإجرامية محط إعجاب عاطفي، حيث أظهرت الفتاة إعجابها بالبطل رغم إدراكها لطبيعة سلوكه. وهنا قد تنتقل رسالة غير مباشرة مفادها أن القوة الخارجة عن القانون قد تكون مصدرًا للجاذبية، وهو تصور يحمل مخاطر نفسية وتربوية، خاصة لدى المراهقين الذين يبحثون عن نماذج يقتدون بها.


أما الرسالة الثالثة، وهي الأخطر من وجهة نظري، فهي أن الفيلم نجح في إثارة التعاطف مع المجرم. ومن المهم أن نفرق بين فهم دوافع الإنسان وبين تبرير أفعاله. فالفن من حقه أن يشرح الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى الانحراف، لكنه لا ينبغي أن يجعل الجريمة تبدو خيارًا مفهومًا أو مقبولًا أو بطوليًا.


ومن الرسائل التي استوقفتني أيضًا أن بطل الفيلم كان كاتبًا ومؤلفًا مبدعًا، لكنه لم ينل التقدير بسبب إبداعه، ولم يلتفت إليه المجتمع إلا بعد أن ارتبط اسمه بالعنف والجريمة. وكأن الرسالة التي قد يتلقاها بعض الشباب هي أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن البطولة الزائفة والعدوان أكثر قدرة على صناعة الشهرة من الإبداع الحقيقي.


وهذه رسالة في غاية الخطورة؛ لأنها قد تغرس في عقول بعض الشباب شعورًا بأن المجتمع لا يكافئ المبدعين، وإنما يمنح الاهتمام لمن يثير الضجيج أو يفرض نفسه بالقوة. بينما الحقيقة أن المجتمعات السليمة تُبنى بالعلم والعمل والإبداع، لا بالخوف ولا بالعنف.


ومن منظور العلاج النفسي، فإن الفيلم قد يسهم - لدى بعض الفئات الأكثر قابلية للتأثر - في ترسيخ عدد من التشوهات المعرفية، منها الاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الظروف القاسية تمنح الإنسان مبررًا لمخالفة القانون، وأن الإنسان الطيب قد يبقى بطلًا حتى لو ارتكب جرائم. وهذه أنماط تفكير تحتاج إلى تصحيح؛ لأنها تضعف المسؤولية الشخصية وتخلط بين التعاطف مع الإنسان والتسامح مع الجريمة.


إن مسؤوليتي كمعالج نفسي تجعلني أؤمن بأن الفن قوة ناعمة قادرة على التأثير في السلوك والوجدان، ولذلك فإن مسؤولية صُنّاعه لا تقل أهمية عن قدرتهم على الإبداع. ويمكن للفن أن يقدم شخصيات معقدة وإنسانية دون أن يجعل الجريمة أكثر جاذبية، أو يحول الخارج على القانون إلى بطل يستحق الإعجاب.


وفي النهاية، يبقى «صقر وكناريا» عملًا يحمل العديد من عناصر النجاح، ويستحق الإشادة بكوميديته الراقية واحترامه للقيم الأسرية، لكنه يفتح في الوقت ذاته بابًا مهمًا للنقاش حول الرسائل النفسية التي قد تصاحب بعض الأعمال الفنية دون قصد.


فالإنسان قد يتعاطف مع شخصية، لكنه لا ينبغي أن يتعاطف مع جريمتها. وقد يُعجب بشجاعة بطل، لكن البطولة الحقيقية لا تكون في كسر القانون، بل في الالتزام به رغم قسوة الظروف.


إن أخطر ما في الرسائل الفنية ليس ما يُقال صراحة، وإنما ما يتسلل إلى العقل دون مقاومة. فقد ينسى المشاهد مشهدًا كوميديًا أضحكه، لكنه قد يحتفظ طويلًا بصورة بطلٍ أحبَّه رغم أنه مجرم، أو يقتنع دون وعي بأن الشهرة يصنعها العنف أكثر مما يصنعها الإبداع. وهنا تكمن مسؤولية الفن، وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا في قراءة ما وراء الصورة، لا الاكتفاء بمشاهدتها.

تعليقات

  1. الافلام العربيه صناعة يقودها مخرجين أهدافهم واضحة ومعروفة في تحقيق معدل مشاهدات وأرباح . فتكون النتيجة حذو السينما العالمية الهوليودية علي شاكلة الافلام بتاع كله اكشن كوميدي والتضاد بين شخصيتين . والتساؤل هنا ليس للعمل أو صناع العمل ولكن للغاءب في المشهد من الفنان المخرج اين هو واين الجهات الداعمة له وسط سباق استهلاكي لاعلي مشاهدة

    ردحذف
  2. نقض هايل ويحترم

    ردحذف

إرسال تعليق