من زفة العرس إلى زفة الشهادة

استقبلت منطقة كلسام ضيوفها من كل حدب وصوب، وزفّت أربعة من شبابها في حفل عرائسي بهيج، رقصت فيه القلوب فرحاً وطرباً، وأحيوا الرقصات الشعبية على صوت الطبل والمزمار اليافعي بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثين عاماً.


وبعد انتهاء المراسيم وعودة الناس إلى مناطقهم بدأت التجهيزات من جديد، وكانت كلسام على موعد مع فرح آخر، مع حفل زفاف الشاب الخلوق _محمد علي نصر اليوسفي_. ولم يتبقَّ سوى *يومان*.


فجر يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026م صحت المنطقة على نبأ مفجع هزّ القلوب:  

*استشهاد الشهيد البطل الجندي سامي محمد عبدالله اليوسفي* في جبهة الحد على يد مليشيات الحوثي الإرهابية.


فتبدلت الأفراح أحزاناً، وتحول مجلس استقبال الضيوف إلى مجلس عزاء، اختفت الابتسامات والضحكات وحلّت محلها الحسرات والدمعات. وصار النواح والعويل سيد الموقف، ونزعت كلسام حلتها وثوبها الغشيب وارتدت ثوبها الأسود.


الشهيد البطل سامي اليوسفي، عشرون ربيعاً فقط، كان مرابطاً في خطوط التماس في جبهة الحد يافع مع زملائه، يدافع عن الدين والعرض والأرض، حاملاً روحه على كفه حتى نال الشهادة مقبلاً غير مدبر.


كان يريد أن يبني مستقبله ويحقق حلم حياته كبقية الشباب، واختار شريكة حياته، لكن القضاء والقدر كان أسبق. فودع الحياة قبل أن يودع العزوبية، بعد أن اختاره الله إلى جواره. نسأل الله أن يتقبله قبولاً حسناً ويسكنه الفردوس الأعلى.


آخر زيارة لي لكلسام الحبيبة كانت أواخر أكتوبر 2025م، أثناء تشييع جثمان الشهيد البطل المقدام حسين أحمد صالح اليوسفي، الذي استشهد في التفجير الإرهابي الذي استهدف المجمع الحكومي بمديرية المحفد. سطّر الشهيد حسين ملحمة بطولية، واستطاع بحنكته ويقظته الأمنية إطلاق النار على السيارة المفخخة قبل وصولها للبوابة الرئيسية، فسقط شهيداً ويده على الزناد.


وأصيب بجانبه رفيق دربه القائد _عزام نصر اليوسفي_ إصابات بالغة، نُقل إلى مستشفى عبود العسكري ثم إلى جمهورية مصر العربية. مكث ثمانية أشهر حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في أحد مشافي القاهرة، والتحق برفيقه يوم التاسع من يونيو 2026م.


رحمهم الله جميعاً. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.  

سلاماً على أرواحكم الطاهرة، يا من تتسابقون على الشهادة وأنتم في عمر الزهور، وترسمون بدمائكم الزكية لوحة النصر على ثرى الجنوب.


شهيد يوسفي يسقط ويلتحق به اثنان من نفس القبيلة، من نفس الدم، من نفس الأرض، كأن الموت تعاهد مع كلسام أن لا يترك بيتاً إلا ودخله، ولا عائلة إلا وزفّ منها عريساً للجنة.  

عظمة شعب ما باع أرضه ولا بدّل دمه، عظمة أم تودع فلذة كبدها وهي تبتسم وتزغرد.  

هنا تكمن العظمة وروح الفداء والتضحية.


منطقة كلسام ما تعرف إلا الثبات، يسقط الأخ فيحمل البندقية ابن العم ثم ابن الخال، ما يخافون ولا يتراجعون، كلهم يقولون: مكانك خالي يا شهيد، نحن لها. هذه هي كلسام، هذه هي يافع، هنا في كلسام في يافع في كل بيت جنوبي.  

العظمة إن الفرح يتحول عزاء ومع ذلك نقف ونقول: الحمد لله، هذا قدرنا وهذا شرفنا.


*أحد عشر عاماً* وشعب الجنوب وقواته المسلحة الباسلة يقدم الشهيد تلو الشهيد في حرب انطلقت بعاصفة الحزم بشعار واضح: عودة الشرعية إلى صنعاء والقضاء على الانقلابيين الحوثيين، وقطع يد إيران.


لكن الأهداف تغيرت والمضامين خلت، وسقطت الشعارات واحداً تلو الآخر. وبقيت دماء الشهداء هي الثابت الوحيد، وبقيت أمهات الجنوب تودع أبناءها عرساناً للجنة.  

بعد كل هذه التضحيات انحرفت البوصلة، وأصبح من حرر أرضه من مليشيات الحوثي الموالية لإيران ولايزال يتصدى لها في خطوط التماس ويدفع كل يوم فاتورة باهظة الثمن، هو من يشكل الخطر الأكبر ويهدد الأمن القومي السعودي حسب زعمهم وأعذارهم، بينما من أمطروا المملكة العربية السعودية بالصواريخ والمسيرات يتم التفاوض معهم وتلبية شروطهم ومنحهم 80٪ من نفط الجنوب.


كل الشعارات التي أطلقتها المملكة ما هي إلا شماعة اتخذتها المملكة لغرض في نفس يعقوب وعصا موسى، إن صح التعبير، لكن انكشفت الأقنعة واتضحت الحقيقة.  

أبرهة الأشرم لعنه الله ما لفّ ودار، خرج بجيشه وفيلته وقالها صريحة: أنا قادم أهدم بيت الله. كافر واضح، عدو واضح، ما لبس ثوب الحق وهو يبغي الباطل.  

أبرهة كان أرحم في وضوحه، على الأقل تعرف عدوك، أما اليوم فالخديعة من داخل الثوب والطعن من وراء الشعار.


نسأل الله الرحمة والمغفرة لشهيدنا البطل سامي و*رفاقه* الشهداء عزام وحسين وكل شهداء الجنوب.  

اللهم اجبر كسر قلوب أمهات الشهداء.  

اللهم اجبر كسر قلوب الآباء.  

اللهم اجبر كسر قلوبنا جميعاً و*عوّضنا* صبراً يليق بدمائهم.


رحمكم الله يا ابطال وجعل قبوركم نوراً وجمعكم مع النبيين والصديقين والصالحين.


*بقلم/ نائف أبو نواف اليافعي*

تعليقات