التعلق... حين يفقد الإنسان نفسه ويصبح أسير لغيره

سها البغدادي 

أوراق الورد 🌹 سها البغدادي

هناك فرق كبير بين الحب والتعلق، وبين أن تمنح شخصًا مكانة في قلبك، وأن تمنحه حق التحكم في حياتك ومشاعرك وإرادتك.

المتعلق بشخص يجعل هذا الشخص محور حياته، فيشعر أن الحياة تتوقف بغيابه وتعود بوجوده، وأن سعادته مرهونة برسالة، أو اتصال، أو لقاء. وهنا يبدأ الإنسان في فقدان نفسه دون أن يشعر، لأنه ربط قيمته بشخص آخر، وليس بذاته.

إن أكبر خطأ يرتكبه الإنسان هو أن يبحث عن اكتماله في الآخرين، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يكتمل إلا بنفسه، وبإيمانه، وبعلاقته بربه، وبإنجازاته، وبما يحققه في حياته. فمن جعل قيمته في نجاحه، وعلمه، وعمله، وأخلاقه، لن تهزه تقلبات البشر، ولن تسقطه خيبة علاقة أو رحيل شخص.

التعلق ليس حبًا، بل هو نوع من الضعف النفسي يجعل الإنسان أسيرًا لمن تعلق به. كأنما قيد نفسه بسلاسل من حديد، يجره الطرف الآخر حيث يشاء، ويقرر له متى يفرح ومتى يحزن، ومتى يشعر بقيمته ومتى يفقدها. وهنا يفقد الإنسان حريته بإرادته.

لقد خلقنا الله أحرارًا، وكرمنا بالعقل والإرادة، فلا يجوز أن نحول أنفسنا إلى عبيد لمخلوق، أيًا كان. فالحب الحقيقي لا يسلبك حريتك، ولا يجعلك تفقد احترامك لنفسك، ولا يدفعك للتنازل عن كرامتك. الحب الحقيقي يمنحك قوة، ويشجعك على النجاح، ويجعلك أفضل، لا أن يحطمك ويستهلكك.

والمؤلم أن كثيرًا من الناس لا يتعلقون بالشخص الحقيقي، بل يتعلقون بالصورة المثالية التي رسمها لهم في بداية العلاقة. وعندما تنكشف الحقيقة، يرفضون تصديقها، ويتمسكون بصورة لم تعد موجودة، فيستمرون في معاناة لا مبرر لها، وكأنهم يعيشون مع وهم صنعته مشاعرهم.

إذا كان ما تسميه حبًا يحولك إلى إنسان فاقد الإرادة، خائف من الفقد، مستعد للتنازل عن كرامته، ويعيش على فتات الاهتمام، فراجع نفسك جيدًا. فذلك ليس حبًا، بل قيدًا نفسيًا يجب كسره.

اجعل قيمتك في نفسك، وفي نجاحك، وفي رسالتك في الحياة، وستكتشف أن وجود أي شخص فيها يصبح إضافة جميلة، لا ضرورة لا تستطيع العيش بدونها. عندها فقط ستعرف معنى الحب الناضج، الذي يجمع بين المودة والرحمة والحرية، لا بين التملك والعبودية.

تعليقات