الثانوية العامة في مصر.. هل تحولت رحلة الحلم إلى أزمة تهدد حياة الطلاب؟

صورة تعبيرية تنقل الواقع 

تحقيق: سها البغدادي

لم يكن مشهد الطالبة التي فارقت الحياة داخل لجنة امتحان الثانوية العامة، ولا خبر طالبة أسيوط التي ألقت بنفسها من الطابق السادس بعد أحد الامتحانات، مجرد حوادث عابرة. فقد أعادا إلى الواجهة سؤالًا يتكرر كل عام: هل أصبحت الثانوية العامة في مصر تمثل ضغطًا نفسيًا يفوق قدرة آلاف الطلاب على الاحتمال؟


ورغم أن وزارة التربية والتعليم تؤكد سنويًا حرصها على تحقيق العدالة ومكافحة الغش وتطوير منظومة الامتحانات، فإن آلالاف الشكاوى تتكرر كل موسم، لتكشف عن معاناة يعيشها الطلاب داخل اللجان وخارجها، تبدأ من رهبة الامتحان، ولا تنتهي عند صعوبة الأسئلة أو طولها، بل تمتد إلى ظروف أداء الامتحانات نفسها.


وفاة داخل اللجنة


أثارت وفاة الطالبة جنى إبراهيم هاني داخل لجنة امتحان اللغة العربية بمحافظة الشرقية صدمة واسعة في الشارع المصري، بعد تعرضها لأزمة صحية مفاجئة أثناء أداء الامتحان، لتتحول اللجنة من مكان للاختبار إلى مسرح لمأساة إنسانية.


ورغم أن الوفاة جاءت نتيجة أزمة صحية، فإن الحادثة أعادت النقاش حول مدى جاهزية اللجان للتعامل مع الحالات الطبية الطارئة، ومدى تأثير التوتر الشديد الذي يعيشه الطلاب أثناء الامتحانات.


مأساة أسيوط


بعد أيام فقط، شهدت محافظة أسيوط حادثًا مأساويًا آخر، بعدما ألقت طالبة بالثانوية العامة نفسها من الطابق السادس  وانتحار طالب بحبة الغلة فى نفس المحافظة عقب امتحان الكيمياء   .


ولا يمكن الجزم بأن الامتحان وحده كان سبب الواقعة، إذ لا تزال الملابسات تخضع للتحقيق، إلا أن الحادثة سلطت الضوء على الضغوط النفسية الهائلة التي يعيشها بعض الطلاب بسبب صعوبة الامتحانات والتوتر النفسي الذي يتعرض إليه الطلاب داخل اللجان الغير مهيئة لتوفير الراحة النفسية والصحية ، و قد تتداخل بعص الظروف الشخصية أو الأسرية أو الصحية.


شكاوى تتكرر كل عام


رصدت مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب تصريحات عدد من أولياء الأمور والطلاب، شكاوى متكررة تمثلت في:


- امتحانات وصفها الطلاب والمعلمين المتخصصين  بأنها أطول من الزمن المخصص.

- أسئلة مركبة تجمع أكثر من فكرة داخل السؤال الواحد.

- الحاجة إلى وقت إضافي لإنهاء الحل.

- خروج أعداد كبيرة من الطلاب في حالات بكاء وانهيار نفسي.

- تعرض بعض الطلاب للإغماء داخل اللجان نتيجة التوتر والإجهاد.

- شكاوى من ارتفاع درجات الحرارة وضعف التهوية في بعض المدارس.

- شكاوى متفرقة من أسلوب تعامل بعض المراقبين داخل اللجان، وهي ادعاءات تختلف من لجنة لأخرى وتتطلب التحقق من كل واقعة بشكل مستقل.


التفتيش.. ضرورة أمنية أم عبء نفسي؟


لا خلاف على أهمية مكافحة الغش الإلكتروني، خاصة بعد التطور الكبير في وسائل الغش خلال السنوات الأخيرة.


لكن عدداً من الطلاب وأولياء الأمور يرون أن تكرار عمليات التفتيش أثناء الامتحان قد يؤدي إلى تشتيت التركيز، فضلاً عن استهلاك جزء من الوقت المخصص للإجابة، وهو ما يزيد من شعور الطلاب بالضغط.


وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية والتعليم أن هذه الإجراءات تستهدف الحفاظ على تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، وأنها ضرورية لضمان نزاهة الامتحانات دون أن يراعو  حق الطالب فى توفير بيئة هادئة للطلاب أثناء الامتحان .


الثانوية العامة... عام كامل من الضغط


يؤكد متخصصون في الطب النفسي أن الثانوية العامة أصبحت لدى كثير من الأسر المصرية تمثل "معركة مصيرية"، وهو تصور يضاعف الضغوط الواقعة على الطالب.


فمنذ بداية العام الدراسي، يعيش كثير من الطلاب في حالة من القلق المستمر، تتراجع معها ساعات النوم، وتزداد معدلات التوتر والخوف من الفشل، وقد تظهر أعراض مثل:


- اضطرابات النوم.

- فقدان الشهية.

- نوبات القلق والهلع.

- الإغماء.

- اضطرابات ضربات القلب لدى بعض الحالات.

- الانهيار العصبي.


ويشدد الأطباء على أن هذه الأعراض تختلف من شخص لآخر، ولا تعني بالضرورة إصابة جميع الطلاب بها.


هل المشكلة في الامتحان وحده؟


يرى خبراء التربية أن تحميل الامتحان وحده مسؤولية كل هذه الأزمات قد يكون تبسيطًا للمشهد.


فالأزمة ترتبط أيضًا بثقافة مجتمعية تعتبر أن مستقبل الطالب يتحدد في امتحان واحد، مع ضغوط أسرية ودروس خصوصية وتوقعات مرتفعة، ما يجعل أي تعثر يُنظر إليه باعتباره نهاية للمستقبل نظرا لأنه لا توجد أى فرصة لتحسين المجموع اذا أخفق الطالب ولم يستطيع الحصول على مجموع كبير يؤهله لتحقيق أحلامه ، ورغم وجود بدائل تعليمية ومهنية متعددة إلا أن المجتمع يحترم خرجين الجامعات ولذلك يقبل الاهالي على الثانوية العامة لحماية أبناءهم من نظرات المجتمع .


ماذا يقول الطلاب؟


يردد كثير من الطلاب عبارة واحدة عقب انتهاء بعض الامتحانات:


«"لم تكن المشكلة في صعوبة الأسئلة فقط، بل في أن الوقت لم يكن كافيًا."»


بينما يرى آخرون أن كثرة الأسئلة المقالية أو المركبة جعلت إدارة الوقت شبه مستحيلة، وأنهم خرجوا من اللجان دون الإجابة عن جميع الأسئلة، رغم معرفتهم بالإجابات.


مطالب أولياء الأمور


يطالب أولياء الأمور بإعادة النظر في عدة ملفات، أبرزها:


- مراجعة الزمن المخصص لكل امتحان.

- إجراء تجارب فعلية لقياس زمن الحل قبل اعتماد الامتحان.

- توفير تهوية ومراوح داخل جميع اللجان.

- وجود فرق طبية مجهزة للتعامل مع الحالات الطارئة.

- تدريب المراقبين على أساليب التعامل النفسي والإنساني مع الطلاب.

- توسيع خدمات الدعم النفسي داخل المدارس.


مسؤولية مشتركة


يرى خبراء أن تطوير الثانوية العامة لا يقتصر على تحديث شكل الأسئلة أو منع الغش، بل يشمل أيضًا بناء منظومة تراعي صحة الطالب النفسية والجسدية.


فنجاح أي نظام تعليمي لا يقاس فقط بنسبة النجاح أو صعوبة الامتحان، وإنما بقدرته على تحقيق العدالة، والحفاظ على كرامة الطالب، وضمان خروجه من اللجنة وهو يحمل شعورًا بأنه خاض اختبارًا عادلاً، لا تجربة قاسية تترك آثارًا نفسية قد تمتد لسنوات.


خاتمة


إن الحوادث المؤلمة التي شهدها موسم الثانوية العامة هذا العام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة، بل باعتبارها جرس إنذار يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة الامتحانات وبيئة اللجان وآليات الدعم النفسي للطلاب.


فبين حق الدولة في حماية نزاهة الامتحانات، وحق الطالب في أداء الاختبار في ظروف إنسانية وآمنة، تبقى المعادلة الحقيقية هي الوصول إلى منظومة تحقق العدالة دون أن يدفع أبناؤها ثمنًا نفسيًا أو صحيًا باهظًا.

تعليقات