بقلم: سها البغدادي
باحثة في السياسة والاستراتيجية والعلاقات الدولية
لم تعد قضية الهجرة غير النظامية القادمة من دول القرن الإفريقي إلى اليمن مجرد أزمة إنسانية ترتبط بالفقر أو النزاعات الداخلية في الدول المصدرة للمهاجرين، بل أصبحت أحد الملفات الأمنية الأكثر تعقيدًا في منطقة البحر الأحمر، لما تحمله من تداعيات مباشرة على استقرار اليمن، وأمن مضيق باب المندب، ومن ثم الأمن القومي العربي بأكمله.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، وتصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر، واستمرار الحرب في اليمن، وتزايد التوترات المرتبطة بإيران ووكلائها في المنطقة، تكتسب هذه القضية أهمية استراتيجية تستدعي إعادة النظر إليها من منظور الأمن القومي، وليس فقط من منظور إدارة الهجرة أو الاستجابة الإنسانية.
اليمن... الحلقة الأكثر هشاشة
يمثل اليمن البوابة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، ويشرف على مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ولذلك فإن أي خلل أمني داخل اليمن لا يبقى شأنًا داخليًا، بل ينعكس بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والدول العربية المطلة عليه.
في المقابل، تستمر موجات المهاجرين القادمين من إثيوبيا والصومال ودول القرن الإفريقي عبر سواحل يصعب السيطرة عليها، مستغلين ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لازدهار شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وأصبح اليمن بالنسبة لآلاف المهاجرين ليس فقط محطة عبور نحو الخليج، وإنما في كثير من الأحيان نقطة احتجاز واستغلال، بعد أن تحولوا إلى مصدر دخل لشبكات الجريمة المنظمة التي تستفيد من استمرار حالة الفوضى.
الهجرة غير النظامية... عندما تتحول إلى تهديد أمني
في الظروف الطبيعية تمثل الهجرة قضية إنسانية، لكن في البيئات المنهارة أمنيًا قد تتحول إلى ثغرة أمنية تستغلها التنظيمات الإجرامية وبعض الجماعات المسلحة.
ولا يعني ذلك أن المهاجرين يمثلون تهديدًا في حد ذاتهم، فهم في الغالب ضحايا للفقر والحروب والاستغلال، لكن الخطورة تكمن في الجهات التي تستثمر معاناتهم، سواء عبر تهريبهم، أو الاتجار بهم، أو استغلال بعضهم في أعمال لوجستية أو غير مشروعة، مستفيدة من غياب الرقابة وضعف مؤسسات الدولة.
كما أن استمرار تدفق المهاجرين دون رقابة فعالة يزيد من الضغط على المجتمعات المحلية، ويمنح شبكات الجريمة المنظمة مصادر تمويل مستمرة، وهو ما يضاعف التحديات الأمنية في اليمن والمنطقة.
البحر الأحمر... ساحة تنافس تتجاوز الحدود
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي، بل أصبح أحد أهم مسارح التنافس الجيوسياسي في العالم، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الدولية والإقليمية، نظرًا لارتباطه بقناة السويس، ومضيق باب المندب، وخطوط التجارة العالمية.
وقد أدت الهجمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى إبراز أهمية تأمين هذا الممر الحيوي، لأن أي اضطراب فيه ينعكس على الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة.
وفي هذا السياق، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار في اليمن، إلى جانب تنامي أنشطة التهريب، يضيف تحديًا جديدًا إلى المشهد الأمني، ويجعل من السيطرة على السواحل اليمنية أولوية استراتيجية للدول العربية المطلة على البحر الأحمر.
الحرب الإيرانية وانعكاساتها على المشهد الإقليمي
أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من تصعيد إقليمي، أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة جديدة تتسم بتعدد بؤر التوتر وتداخلها.
ورغم اختلاف الملفات، فإن أي تصعيد إقليمي يزيد من أهمية تأمين البحر الأحمر وباب المندب، خاصة في ظل وجود جماعات مسلحة تمتلك القدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية.
ومن ثم، فإن استمرار ضعف الدولة اليمنية، مع وجود شبكات تهريب نشطة وتدفقات بشرية غير منظمة، يخلق بيئة أكثر تعقيدًا قد تستغلها جهات إجرامية أو أطراف تسعى إلى زعزعة الاستقرار، وهو ما يفرض على الدول العربية تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني لحماية الممرات البحرية، دون افتراض وجود صلة مباشرة بين جميع المهاجرين وهذه الأنشطة.
الأمن القومي العربي... من رد الفعل إلى المبادرة
إن حماية الأمن القومي العربي لم تعد تقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل إدارة المخاطر غير التقليدية، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة، وتهديدات أمن الممرات البحرية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية عربية شاملة تقوم على عدة محاور:
- دعم استعادة مؤسسات الدولة اليمنية وقدرتها على بسط سيادتها على الحدود والسواحل.
- تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول العربية ودول القرن الإفريقي لمكافحة شبكات التهريب.
- تكثيف التنسيق البحري لتأمين البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
- معالجة الأسباب الاقتصادية والتنموية للهجرة في دول المنشأ، بما يقلل من تدفقات الهجرة غير النظامية.
- الموازنة بين المتطلبات الأمنية والالتزامات الإنسانية، بما يضمن حماية المهاجرين وتجفيف منابع استغلالهم.
الخاتمة
تكشف أزمة الهجرة غير النظامية إلى اليمن عن حقيقة استراتيجية مفادها أن أمن البحر الأحمر يبدأ من استقرار اليمن، وأن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي.
ومع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي، وتزايد التحديات المرتبطة بأمن الملاحة في باب المندب، لم يعد التعامل مع الهجرة غير النظامية بوصفها أزمة إنسانية فقط كافيًا، بل أصبح من الضروري إدماجها ضمن رؤية استراتيجية شاملة تربط بين الأمن البحري، ومكافحة الجريمة المنظمة، واستعادة الدولة الوطنية، وتعزيز العمل العربي المشترك.
إن المرحلة الراهنة تفرض على صانع القرار العربي الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها، لأن الحفاظ على أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان أمن واستقرار المنطقة العربية في مواجهة بيئة إقليمية شديدة التعقيد.أقترح أيضًا إضافة فقرة استشرافية في نهاية المقال تتناول سيناريوهات المستقبل، مثل: ماذا لو استمرت الحرب في اليمن؟ وكيف يمكن أن تستغل القوى الإقليمية والدولية ملف الهجرة كورقة ضغط على الأمن العربي؟

تعليقات
إرسال تعليق