حين يصبح الحب أداة للسيطرة... لا تتردد في النجاة

 

سها البغدادي 

أوراق الورد 🌹سها البغدادي

حين يصبح الحب أداة للسيطرة... لا تتردد في النجاة

ليست كل العلاقات السامة تبدأ بالإهانة، بل إن أخطرها يبدأ باهتمام مبالغ فيه، وكلمات دافئة، ووعود تشعرك بأنك وجدت أخيرًا الشخص الذي سيمنحك الأمان الذي طالما بحثت عنه.

لكن مع مرور الوقت، يتغير المشهد تدريجيًا. تختفي الطمأنينة، ويحل محلها القلق. يصبح الحب مشروطًا، والاهتمام متقلبًا، والمشاعر رهينة لمزاج الطرف الآخر.

في يوم يجعلك تشعر أنك أغلى إنسان في حياته، وفي اليوم التالي يعاملك وكأنك لا تعني له شيئًا. يقترب حتى تطمئن، ثم يبتعد دون تفسير. يفتح لك باب الأمل، ثم يغلقه فجأة، لتظل تركض خلف إجابة لا تأتي أبدًا.

هذا التناقض ليس دليلًا على الحب، بل قد يكون وسيلة للسيطرة النفسية. فعندما يعيش الإنسان بين الأمل والخوف، يصبح أكثر استعدادًا للتنازل، وأكثر خوفًا من الفقد، وأكثر قابلية لتحمل ما لم يكن ليتحمله في ظروف طبيعية.

ومع الوقت، تبدأ رحلة استنزاف الذات.

تتنازل عن حقوقك حتى لا تخسره. تكتم غضبك حتى لا يغضب. تبرر أخطاءه، وتغفر إساءاته، وتؤجل كرامتك على أمل أن يتغير يومًا. لكن كل تنازل غير محسوب يصبح رسالة للطرف الآخر بأنه يستطيع أن يطلب المزيد.

وتكتشف بعد فترة أنك لم تعد الشخص الذي كنت تعرفه.

فقدت ثقتك بنفسك، وأصبحت تراجع كلماتك قبل أن تتحدث، وتلوم نفسك على أخطاء ليست أخطاءك، وتخشى أن تعترض حتى لا تُتهم بأنك سبب المشكلات.

وهنا يحقق المتلاعب هدفه الحقيقي؛ أن تصبح هويتك مرتبطة برأيه فيك، وأن تصبح سعادتك مرهونة بقبوله لك.

وفي كثير من الأحيان، يحتفظ هذا النوع من الأشخاص بمن يمنحه الاحتواء كخيار دائم، بينما يبحث عن الإثارة أو الإعجاب في أماكن أخرى. فإذا خذله الآخرون، عاد إلى الشخص الذي يعلم أنه سيستقبله مهما كانت جراحه.

وللأسف، يفسر البعض هذا الرجوع على أنه حب، بينما هو في الحقيقة اعتياد على وجود شخص يمنحه الدعم دون حدود، ويغفر بلا حساب، ويبقى حتى بعد كل خذلان.

العلاقة الصحية لا تحتاج إلى أن تثبت قيمتك كل يوم، ولا تجعلك تتسول الاهتمام، ولا تدفعك للتخلي عن احترامك لنفسك حتى تستمر.

الحب الحقيقي يمنح الإنسان شعورًا بالأمان، لا بالخوف. يمنحه الثقة، لا الشك. يجعله أكثر قوة، لا أكثر انكسارًا.

إذا وجدت نفسك تفقد سلامك النفسي، وتبرر الإساءة باستمرار، وتعيش على أمل أن يعود الشخص الذي كان عليه في البداية، فتوقف قليلًا واسأل نفسك: هل أحب هذا الإنسان... أم أصبحت مدمنًا على انتظار لحظات اهتمامه القليلة؟

فالفرق كبير بين الحب والتعلق، وبين الوفاء والاستنزاف، وبين الصبر الذي يبني العلاقة، والصبر الذي يهدم الإنسان.

تذكر دائمًا أن إنقاذ نفسك ليس أنانية، والانسحاب من علاقة تستنزف روحك ليس هزيمة، بل شجاعة.

فأجمل العلاقات هي التي تمنحك مساحة لتكون نفسك، لا التي تجبرك كل يوم على التضحية بنفسك حتى تستحق البقاء.

هذا المقال لا يدعو إلى الهروب من الخلافات الطبيعية، وإنما من العلاقات التي تقوم على التلاعب النفسي، والإهانة المتكررة، واستنزاف الكرامة والمشاعر. فالإنسان لا يخسر عندما يبتعد عمن يؤذيه، بل يستعيد نفسه التي كادت تضيع.

تعليقات