![]() |
| ندى الطوانسي |
بقلم . دكتورة ندى الطوانسي
فى إحدى عيادات الأطفال، كان طفل صغير يبكى من شدة إرتفاع حرارته، وما إن حاولت والدته أن تحمله حتى تشبث بالمربية، رافضًا أن يترك حضنها. فابتسمت الأم وقالت ببساطة: «أصله متعلق بيها أكثر مني». مرت الجملة على كثيرين باعتبارها أمرًا لطيفًا، لكنها أثارت فى ذهنى سؤالًا أكبر بكثير: متى أصبح من الطبيعى أن يكون أقرب الناس إلى الطفل هو الشخص الذى يتقاضى أجرًا مقابل رعايته لوقت ما وسوف يتركه.
خلال السنوات الأخيرة، انتشرت بصورة لافتة ظاهرة الاستعانة بمربيات أجنبيات داخل بعض الأسر المصرية، ولم يعد الأمر مقصورًا على طبقة بعينها، بل امتد إلى شرائح اجتماعية مختلفة. وأصبح مشهد المربية التى تصطحب الطفل إلى النادى، أو تجلس معه فى عيادة الطبيب، أو تقضى معه معظم ساعات اليوم، من المشاهد المألوفة. ولا يلفت الانتباه وجودها، بقدر ما يلفت الانتباه غياب الدور الذى جاءت لتساعد فيه، لا لتحل محله
لا أحد يعترض على الاستعانة بمن يساعد الأسرة، فالحياة أصبحت أكثر تعقيدًا، وكثير من الأمهات يعملن أو يتحملن مسؤوليات كبيرة. لكن الفارق كبير بين أن تساعد المربية الأم، وبين أن تصبح هى الأم فى تفاصيل اليوم، بينما يتحول دور الوالدين إلى زيارات سريعة بين مواعيد العمل والانشغال
واللافت أن الظاهرة لم تعد ترتبط بالحاجة فقط، بل أصبحت عند البعض انعكاسًا لمكانة اجتماعية، أو جزءًا من نمط حياة يجرى استعراضه على مواقع التواصل الاجتماعى. وكأن وجود مربية أجنبية أصبح فى بعض الأحيان رسالة غير مباشرة تقول: «لقد وصلنا إلى مستوى معين». لكن المكانة الاجتماعية الحقيقية لا تُقاس بعدد من يرعون أبناءنا، بل بمدى قربنا نحن منهم
وقد يظن البعض أن أكبر مكسب يحققه الطفل هو أن يتحدث الإنجليزية بطلاقة فى سن مبكر، لكن اللغة ليست مجرد كلمات، ولا وسيلة للتواصل فقط. اللغة تحمل داخلها ثقافة كاملة؛ تحمل طريقة التفكير، وأسلوب التعبير، والحكايات، والأمثال، والعادات، وحتى طريقة الاحتواء وإظهار المشاعر. وكل إنسان، دون أن يشعر، ينقل شيئًا من ثقافته إلى من يعيش معه كل يوم
ولذلك، فالقضية ليست فى جنسية المربية، فلكل شعب ثقافته التى تستحق الاحترام، لكن يبقى السؤال: من ينقل إلى الطفل ثقافة بيته؟ من يقصص له حكايات جدته؟ ودفء الذكريات التى لا تُدرَّس فى مدرسة؟ ومن يغرس فى داخله لغته الأم بوصفها لغة الانتماء قبل أن تكون لغة الحديث؟ فالطفل يستطيع أن يتعلم عشر لغات، لكنه لا يجب أن يفقد لغته الأولى، لأنها ليست مجرد لغة، بل ذاكرة وهوية وجذور.
المشكلة الحقيقية أن آثار هذا التحول لا تظهر فى يوم أو عام، وإنما بعد سنوات. حين يكبر الأبناء، ويفاجأ بعض الآباء والأمهات بأنهم لا يعرفون أبناءهم كما كانوا يظنون. يعرفون أسماء مدارسهم، ودرجاتهم، وصورهم، لكنهم لا يعرفون ما الذى يسعدهم، أو ما الذى يؤلمهم، أو لماذا أصبح الحوار بينهم باردًا وثقيلًا. يشعرون وكأنهم يعيشون مع غرباء يحملون أسماءهم وملامحهم، لكنهم لم يشاركوا معهم ما يكفى من الوقت لصناعة علاقة حقيقية
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأسرة ليس أن تستعين بمن يساعدها، بل أن تؤجل دورها حتى يفوت الأوان. فلا ننتظر سنوات ثم نتساءل: لماذا لا يقترب منا أبناؤنا؟ ولماذا يبوحون بأسرارهم لغيرنا؟ ولماذا نشعر أنهم بعيدون عنا رغم أنهم يعيشون تحت السقف نفسه؟ فالعلاقات لا يصنعها الدم وحده، وإنما يصنعها الوقت، والحضور، والذكريات المشتركة، وتلك التفاصيل الصغيرة التى لا يلتفت إليها أحد إلا بعد أن تغيب
لسنا ضد المربيات، ولسنا ضد تعلم اللغات الأجنبية، بل على العكس، فكلها أمور أصبحت جزءًا من واقع الحياة. لكن ما لا يجوز أن يصبح واقعًا هو أن تتحول الأمومة إلى وظيفة قابلة للتفويض، وأن تصبح الثقافة الأولى التى يتشربها الطفل، واللغة التى يحلم بها، والحنان الذى يفتقده أو يجده، مسئولية شخص آخر.
فالبيت يستطيع أن يستأجر من يساعده فى أعباء الحياة، لكنه لا يستطيع أن يستأجر من يصنع ذاكرة أبنائه، ولا من يكتب ملامح هويتهم، ولا من يمنحهم ذلك الشعور الذى لا يُشترى… شعور أن البيت هو المكان الذى بدأ منه كل شىء
فالطفولة لا تعيد نفسها مرتين، وما لا تمنحه الأسرة فى سنواتها الأولى، قد تعجز عن استرداده مهما امتلكت من وقت بعد ذلك

كلام صحيح جداا اتفق معاكي ومهم جدا ياريت الناس تبدأ تعيد حسابتها
ردحذفشكرًا لحضرتك، فعلًا ده الهدف الأساسي من طرح المقال، إننا نتكلم ونفتح باب للنقاش والوعي. 🙏🏻
حذفكلامك صح انا شفت وانا بصيف على البحر اسره كانت جالسه بجانبنا ومعاهم طفل والشغاله اخذت الطفل ولعبت معا فى المياه والام جالسه مع اصحابها وفعلا كانت المربيه قائما بدور الام شفت تعلق الطفل بها
ردحذفدي من أكتر النقاط اللي كنت أقصد أوصلها في المقال، لأن الطفل طبيعي يتعلق بالشخص اللي بيقضي معاه معظم وقته وبيشاركه تفاصيل يومه. شكرًا جدًا لحضرتك على مشاركتنا الموقف ده، لأنه مثال حي على الفكرة اللي بنتكلم عنها.
حذفأحسنتي كلام جميل بالفعل ودا فعلا حاصل بشكل كبير ومخيف حتي في عيادات أطباء الأطفال كما تفضلتي وشرحتي شيء يقطع القلب حقيقي الطفل مريض ويبكي بشدة والمربية هي التي تحمله أين امومتك بالله عليكي كيف يتحمل قلبك صراخ طفلك وهو. مريض وعادي جدا تتركيه للمربية متى يشعر بحنانك اذا وخوفك عليه كيف يترجمها في حياته وهو لا يجده وكما قالت امهاتنا وجداتنا الام هي اللي تربي وتكبر وتتعب من أجل ابناءها وتعلمهم الحب والعطف والحنان والاحساس بالمسؤولية والانتماء لها وللاسرة وتعطيهم الاحساس بالامان والاحتواء وانها هي دوما الاصل والمرجع لأبنائنا مش المربية
ردحذفشكرًا جدًا لحضرتك على تعليقك المؤثر فعلًا كلامك لخص جزء كبير من الفكرة اللي كنت بحاول أوصلها، لأن وجود المربية للمساعدة شيء، لكن إن دورها يتحول تدريجيًا للدور الأساسي في حياة الطفل شيء تاني تمامًا. الطفل في لحظات مرضه وخوفه واحتياجه للحنان بيحتاج يحس بقرب أمه واحتوائها، لأن المواقف دي بتفضل جزءًا من إحساسه بالأمان طوال حياته. ربنا يقدر كل أم على مسؤولية أولادها ويحفظ أولادنا جميعًا ❤️🙏🏻
حذف