أزمة الأنسولين في مصر.. بين «ثقة المرضى» و«رهان التصنيع المحلي»

انسولين 

تقرير /  سها البغدادي 

هل الأنسولين المصري أقل كفاءة من المستورد؟.. وما حقيقة نقص الدواء؟

تتصاعد من جديد أزمة الأنسولين في مصر، وسط حالة من الجدل بين مرضى السكري الذين يتمسك بعضهم بأسماء تجارية مستوردة اعتادوا عليها، وبين الحكومة التي تؤكد أن البدائل المصرية المسجلة والمنتجة وفق الاشتراطات الرقابية تتمتع بالكفاءة والفعالية، وأن الدولة لم تعد ترى مبررًا لتحمل تكلفة استيراد المنتج النهائي بالعملة الأجنبية في ظل وجود بدائل محلية.


الجدل تصاعد بصورة أكبر بعد تصريحات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، التي أكد فيها أن الأنسولين المحلي متوافر ويغطي احتياجات السوق، وأن ما يحدث في بعض الأحيان هو عدم توافر اسم تجاري محدد، وليس اختفاء المادة الفعالة أو العلاج من السوق.


لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل الأنسولين المحلي بالفعل بنفس كفاءة المستورد؟ أم أن مخاوف المرضى لها أساس طبي؟


هيئة الدواء: المحلي «يضاهي» المستورد


الموقف الرسمي لهيئة الدواء المصرية واضح في هذه النقطة؛ فقد أكدت الهيئة أن الأنسولين المصنع محليًا يضاهي المستورد، موضحة أن المنتجات المحلية تستخدم خامات من نفس مصادر المواد الخام المستخدمة في منتجات مستوردة، وأن المنتجات تخضع للرقابة والتحليل وفق الاشتراطات المعتمدة.


كما أوضحت الهيئة أن تسجيل المستحضرات لا يعتمد على الاسم التجاري، وإنما على مطابقة المادة الفعالة والمواصفات والمعايير المطلوبة، إلى جانب إجراء دراسات التكافؤ اللازمة بين المنتج المحلي والدواء المرجعي.


وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: الأنسولين دواء بيولوجي، وليس مجرد قرص دوائي تقليدي؛ ولذلك فإن الحديث عن «نفس المادة الفعالة» وحده لا يكفي للحكم على منتجين مختلفين. فعملية التصنيع والجودة والتركيز والشكل الصيدلاني ووسيلة الإعطاء والثبات وغيرها من العوامل تدخل في تقييم المنتج.


ولهذا وضعت منظمة الصحة العالمية مبادئ خاصة لتقييم الأدوية الحيوية المماثلة «Biosimilars»، بهدف إثبات التشابه في الجودة والفعالية والأمان مع المنتج المرجعي.


كما تؤكد الهيئات التنظيمية الدولية، مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA ووكالة الأدوية الأوروبية EMA، أن المستحضر الحيوي المماثل الذي يستوفي المتطلبات التنظيمية لا يفترض أن تكون هناك فروق ذات أهمية سريرية بينه وبين المنتج المرجعي من حيث الأمان والفعالية.


إذن علميًا، لا يمكن القول إن «الأنسولين المحلي أقل كفاءة لأنه مصري».


لكن في الوقت نفسه، لا يجوز القول إن كل عبوة محلية يمكن استبدالها تلقائيًا بأي عبوة مستوردة لمجرد أنها تحمل كلمة «أنسولين».


أين يكمن الاختلاف بين المحلي والمستورد؟

الاختلاف الأساسي قد يكون في الشركة المنتجة، والاسم التجاري، والشكل الصيدلاني، والتركيز، وطريقة الإعطاء، وبعض المكونات غير الفعالة، وليس بالضرورة في المادة الفعالة الأساسية.


فعلى سبيل المثال، توجد مستحضرات أنسولين بشري، وأخرى من نظائر الأنسولين، وهناك أنواع سريعة المفعول، وأخرى طويلة المفعول، وأخرى مخلوطة بنسب محددة.


ولهذا فإن المريض الذي يستخدم نوعًا محددًا من الأنسولين لا ينبغي أن يغيره من تلقاء نفسه إلى منتج آخر لمجرد أن الاثنين يحملان اسم «أنسولين».


التغيير بين المستحضرات يجب أن يتم وفق توصية الطبيب، خصوصًا لدى مرضى السكري من النوع الأول والأطفال والمرضى الذين يعانون من تذبذب كبير في مستويات السكر.


وهذا يفسر جزءًا من مخاوف المرضى: المريض لا يخاف بالضرورة من كلمة «محلي»، وإنما يخشى أن يؤدي تغيير المستحضر الذي اعتاد عليه إلى تغيير استجابة جسمه للجرعة.


لماذا يتمسك بعض المرضى بالمستورد؟


أزمة الثقة ليست جديدة.


ففي تغطيات سابقة لأزمات نقص الأدوية في مصر، رصدت وسائل إعلام شكاوى من مرضى يرفضون بعض البدائل، كما أشار صيادلة إلى وجود «أزمة ثقة في البديل المصري» لدى بعض المرضى والأطباء.


وفي أزمة نقص «ميكستارد 70/30» تحديدًا، تحدث مرضى عن صعوبة العثور على المستحضر الذي اعتادوا استخدامه، بينما قالت النائبة سميرة الجزار إنها قامت بنفسها بالبحث عن ميكستارد في الصيدليات ولم تجده، وطالبت بتوفير النواقص على نطاق واسع.


وهنا تظهر نقطة جوهرية في الأزمة:


المريض قد يقول «أنا أريد المستورد»، بينما المشكلة الفعلية التي يواجهها قد تكون أنه يريد «نفس المستحضر الذي وصفه له الطبيب واعتاد جسمه عليه»، وليس بالضرورة رفضًا علميًا لكل منتج مصري.


ماذا يقول وزير الصحة؟


الدكتور خالد عبدالغفار أوضح في أغسطس 2026 أن مصر لديها إنتاج محلي يغطي احتياجات السوق، وأن بعض حالات النقص ترتبط بعدم توافر اسم تجاري محدد، وليس بعدم وجود المادة الفعالة.


كما قال إن اختيار منتج مستورد بعينه في وجود بديل محلي مماثل ومسجل يعد تفضيلًا شخصيًا للمريض، وإن استيراد المنتج النهائي بالعملة الأجنبية، في ظل وجود قدرات إنتاجية محلية، لا يمثل الخيار الأكثر كفاءة من منظور الأمن الدوائي واستدامة الإمدادات.


وكشف الوزير عن وجود 4 شركات مصرية تنتج مستحضرات مثيلة للأنسولين المستورد، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل في الوقت نفسه على زيادة التصنيع المحلي والتوسع مستقبلًا في تصنيع المواد الفعالة نفسها داخل مصر.


وفي يناير 2026، بحث وزير الصحة مع مدينة الدواء المصرية وشركة صينية آليات التعاون في تصنيع الأنسولين، في إطار خطة الدولة لتوطين صناعة المستحضرات الحيوية والاستراتيجية.


أي أن الاتجاه الحكومي لا يبدو مجرد قرار مؤقت بوقف الاستيراد، وإنما جزء من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على المنتج الدوائي النهائي المستورد.


ماذا يقول النواب؟


الموقف البرلماني كان أكثر حساسية تجاه مسألة توافر الأنسولين، وليس بالضرورة رفض التصنيع المحلي.


ففي مايو 2026، تقدمت النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن نقص الأنسولين من صيدليات التأمين الصحي، مشيرة إلى أن الأنسولين عقار حيوي لا يمكن الاستغناء عنه، وأن هناك مشكلات مرتبطة بتأخر التوريد.


كما سبق للنائبة نفسها أن أثارت ملف نقص الأنسولين، وتساءلت عن مسؤولية هيئة التأمين الصحي وهيئة الشراء الموحد عن التأخير في توفير الدواء.


وفي تحرك برلماني آخر، تقدمت النائبة إيفلين متى بطلب إحاطة بشأن نقص أدوية السكر والمناعة في التأمين الصحي، محذرة من تأثير نقص الأدوية على الأطفال وكبار السن، وأشارت إلى وجود أطفال يحتاجون إلى الأنسولين ولا يجدونه.


أما النائبة سميرة الجزار، فقد انتقدت أزمة نقص الأنسولين، وقالت إنها بحثت بنفسها عن «ميكستارد» في الصيدليات، مطالبة بتوفير الأدوية الناقصة على نطاق واسع، وبخطة لتصنيع المواد الفعالة محليًا بجودة تضاهي الخارج.


وبالتالي فإن الموقف البرلماني الذي أمكن توثيقه يركز بصورة أساسية على ضمان التوافر واستمرارية العلاج، وليس على وجود دليل علمي يثبت أن الأنسولين المصري أقل كفاءة من المستورد.


كم يبلغ عدد مرضى السكري في مصر؟


هنا تظهر فجوة مهمة بين أرقام الدولة وأرقام التقديرات الدولية.


وفق أحدث بيانات الاتحاد الدولي للسكري IDF، بلغ عدد البالغين المصابين بالسكري في مصر عام 2024 نحو 13.2 مليون شخص، مع معدل انتشار بلغ 22.4% بين البالغين. ويضع الاتحاد مصر ضمن الدول الخمس الأولى في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث عدد المصابين، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 25 مليون بالغ بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.


أما الرقم الذي أعلنه وزير الصحة في أغسطس 2026، وهو نحو 2.45 مليون مريض بالغ و60 ألف طفل، فيتعلق بالمرضى الذين يتم التعامل معهم من خلال منظومتي التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، وليس إجمالي عدد مرضى السكري في مصر. كما أشار الوزير إلى أن تكلفة توفير علاج السكري من الأنسولين والأقراص تبلغ نحو 4.2 مليار جنيه سنويًا.


وهذا التفريق مهم جدًا حتى لا يتم نشر الرقم الحكومي باعتباره إجمالي عدد مرضى السكري في مصر.


مصر تستهلك نحو 27 مليون عبوة أنسولين سنويًا


بحسب تصريحات سابقة لوزارة الصحة، يبلغ احتياج مصر السنوي نحو 27 مليون عبوة من الأنسولين بمختلف التركيزات، بينما تصل الطاقة الإنتاجية لمصنع المهن الطبية وحده إلى ما بين 12 و18 مليون عبوة سنويًا، مع وجود أكثر من مصنع محلي آخر.


كما أعلنت هيئة الدواء في أغسطس 2024 ضخ كميات كبيرة من الأنسولين المحلي والمستورد، من بينها نحو 1.2 مليون عبوة من «ميكستارد» المستورد، إلى جانب مئات الآلاف من عبوات الأنسولين المحلي.


إذن.. أين توجد الأزمة الحقيقية؟


المشكلة لا تبدو، وفق البيانات المتاحة، مجرد «محلي ضد مستورد».


الأزمة تتكون من عدة طبقات متداخلة:


أولًا: أزمة توافر بعض الأسماء التجارية.

قد يكون العلاج متوافرًا من حيث المادة الفعالة، لكن المستحضر الذي اعتاد عليه المريض غير موجود في الصيدلية.


ثانيًا: أزمة ثقة.

بعض المرضى يفضلون المنتج المستورد بسبب التجربة السابقة أو توصية الطبيب أو الخوف من تغيير العلاج، حتى مع تأكيد الجهات التنظيمية على جودة البدائل المحلية.


ثالثًا: أزمة تواصل.

عندما تقول الحكومة إن «الأنسولين متوفر»، بينما يبحث المريض عن اسم تجاري محدد ولا يجده، يشعر المريض أن التصريحات الرسمية لا تعكس تجربته اليومية.


رابعًا: أزمة المواد الخام.

حتى مع التصنيع المحلي، لا يعني ذلك بالضرورة أن مصر تنتج كل مكونات الأنسولين من الصفر؛ فوزارة الصحة نفسها تتحدث عن خطة للتوسع مستقبلًا في تصنيع المواد الفعالة محليًا.


خامسًا: حساسية تغيير العلاج.

الأنسولين ليس دواءً يمكن للمريض أن يتعامل معه بمنطق «أي بديل وخلاص». تغيير النوع أو التركيز أو نمط المفعول يحتاج إلى إشراف طبي وضبط للجرعة ومتابعة للسكر.


القول بأن «الأنسولين المصري أقل كفاءة من المستورد» لا تدعمه البيانات التنظيمية التي أمكن توثيقها.


وفي المقابل، فإن القول بأن «كل ما يحتاجه المريض هو أي أنسولين محلي» أيضًا تبسيط غير دقيق؛ لأن أنواع الأنسولين وتركيزاته وخصائصها تختلف، واستبدال مستحضر بآخر يجب أن يتم وفق الحالة الطبية وتوجيه الطبيب.


المشكلة الحقيقية التي تواجه مصر هي كيفية تحقيق المعادلة الصعبة:


توطين صناعة الأنسولين وحماية العملة الأجنبية من ناحية، وضمان حق المريض في الحصول على المستحضر المناسب له دون انقطاع من ناحية أخرى.


فالتصنيع المحلي يمثل عنصرًا مهمًا في الأمن الدوائي، لكن ثقة المريض لا تُفرض بالقرار الإداري؛ وإنما تُبنى بالشفافية، واستقرار الجودة، واستمرارية التوافر، وإعلان نتائج الرقابة والدراسات بصورة واضحة، وضمان وجود بدائل مناسبة للحالات التي تحتاج طبيًا إلى مستحضر بعينه.


وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى المريض هي: لا توقف الأنسولين ولا تغير نوعه أو جرعته من تلقاء نفسك بسبب الأزمة أو نقص صنف معين، وإنما يتم التغيير بالتنسيق مع الطبيب المعالج.


إعداد: سها البغدادي

باحثة في الشأن العربي والدولي 

تعليقات