![]() |
| سها البغدادي |
أوراق الورد 🌹 سها البغدادي
هناك لحظات لا يصرخ فيها الإنسان طالبًا النجدة، بل يصمت... وصمته يكون أعلى من أي استغاثة. فالاكتئاب لا يبدأ فجأة، وإنما يتسلل إلى الروح بهدوء، حتى يجد الإنسان نفسه شخصًا آخر لا يعرفه.
في البداية يشعر المصاب بوحدة قاسية، رغم وجود الناس من حوله. يبدأ في الابتعاد عن التجمعات، ويتجنب الحديث، ويعتذر عن المناسبات، وكأن الضجيج أصبح عبئًا لا يحتمله. ومع مرور الأيام تتحول العزلة إلى أسلوب حياة، فيغلق أبواب قلبه قبل أن يغلق باب غرفته.
ثم تأتي المرحلة الأصعب... مرحلة المنطقة الرمادية. فلا هو قادر على الفرح، ولا حتى على الحزن. يفقد شغفه بكل ما كان يحبه، وتتلاشى الأحلام من داخله، ويصبح كل يوم نسخة مكررة من سابقه بلا هدف ولا رغبة.
يتغير نومه، فتطارده الأرق أو يهرب إلى النوم لساعات طويلة. وتختفي شهيته للطعام أو يأكل بلا إحساس، ويفقد متعته بكل شيء. لا يضحك كما كان، ولا يتحدث إلا قليلًا، ويبدو وكأنه يعيش بجسده فقط، بينما روحه غائبة في مكان لا يراه أحد.
المؤلم أن كثيرًا من الناس يفسرون هذا التغير على أنه كسل أو برود أو مبالغة، بينما الحقيقة أن المصاب بالاكتئاب يخوض معركة يومية مع نفسه. يجاهد حتى ينهض من فراشه، ويحاول أن يبدو طبيعيًا، ويبحث في صمت عن يد تمتد إليه، أو كلمة تمنحه سببًا للاستمرار.
وللاكتئاب أسباب كثيرة؛ فقد يكون نتيجة خذلان ممن وثقنا بهم، أو غدر، أو خيانة، أو فقدان شخص عزيز، أو إخفاق في العمل أو الدراسة، أو تراكم الضغوط حتى يفقد الإنسان الأمل. وقد يحدث أيضًا دون سبب واضح، فهو مرض نفسي حقيقي يحتاج إلى فهم وعلاج، وليس ضعفًا في الشخصية أو قلة إيمان كما يعتقد البعض.
يمكن أن نقول إن المكتئب قد صنع "بلوك" للعالم كله، ليس لأنه يكره الحياة، بل لأنه لم يعد يملك الطاقة لمواجهتها. إنه ينسحب بصمت، وينتظر من يلاحظ غيابه قبل أن يختفي تمامًا.
لذلك لا تستهين أبدًا بمن تغير فجأة، أو بمن أصبح صامتًا بعد أن كان كثير الكلام، أو بمن اختفت ابتسامته. فقد تكون كلمة صادقة، أو احتواء دافئ، أو سؤال بسيط: "هل أنت بخير؟" سببًا في إنقاذ روح كانت على مشارف الانهيار.
في أوراق الورد، نتذكر دائمًا أن الصحة النفسية ليست رفاهية، وأن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل شجاعة. فالحياة تستحق أن تُعاش، وكل عتمة مهما طالت لا بد أن يعقبها نور.

تعليقات
إرسال تعليق