![]() |
| محطة الرياح |
تقرير .. سها البغدادي
869 ميجاوات من طاقة الرياح.. واستثمارات تقترب من 800 مليون دولار.. ومصر تشتري كامل الإنتاج لمدة 20 عامًا
أثار الإعلان عن مشروع جديد لطاقة الرياح في منطقة الزعفرانة تساؤلات حول طبيعة الصفقة بين مصر وشركة «فولتاليا» الفرنسية، خاصة أن الزعفرانة ارتبطت لسنوات بمشروعات حكومية لإنتاج الكهرباء من الرياح، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل: إذا كانت الأرض مصرية ومصدر الطاقة مصريًا، فلماذا تشتري مصر الكهرباء من شركة أجنبية؟ ولماذا لا تنفذ الدولة المشروع بنفسها؟
القصة، وفق البيانات المتاحة، أكثر تعقيدًا من مجرد «بيع محطة مصرية لشركة فرنسية».
مشروع جديد على أرض مصرية
وافقت الحكومة المصرية على مشروع لتطوير محطة رياح بقدرة تصل إلى 869 ميجاوات في منطقة الزعفرانة، تتولى شركة «فولتاليا» الفرنسية تطويره وتنفيذه، على أن يبدأ التشغيل التجاري خلال عام 2028 وفق الجدول المعلن.
وتقع أرض المشروع ضمن الأراضي المخصصة لمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة في مصر، وليست أرضًا باعتها الدولة للشركة الفرنسية.
وتأتي الخطوة في إطار توجه مصر للتوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، خصوصًا طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري في توليد الكهرباء.
لماذا تشتري مصر الكهرباء من المستثمر؟
النموذج المتبع في هذا النوع من المشروعات هو أن المستثمر الخاص يتحمل جانبًا كبيرًا من تكاليف التطوير والإنشاء والتمويل والتشغيل، بينما تلتزم الدولة بشراء الكهرباء المنتجة وفق عقد طويل الأجل.
وفي حالة مشروع الزعفرانة، أعلنت «فولتاليا» أن مصر ستشتري كامل إنتاج المحطة لمدة 20 عامًا بسعر يبلغ نحو 2.4 سنت أمريكي لكل كيلووات/ساعة.
وهذا يعني أن الدولة لا تدفع تكلفة إنشاء المحطة بالكامل من الموازنة العامة، وإنما تحصل على الكهرباء من مشروع يموله ويطوره القطاع الخاص، مع التزام شراء طويل الأجل.
وهذا النموذج أصبح شائعًا عالميًا في مشروعات الطاقة المتجددة، خصوصًا في الدول التي ترغب في زيادة قدراتها الإنتاجية دون تحمل كامل الاستثمارات الرأسمالية مقدمًا.
ولكن.. هل كانت الزعفرانة بالفعل محطة مصرية؟
نعم، منطقة الزعفرانة ليست موقعًا جديدًا على خريطة الطاقة المتجددة المصرية.
فالمنطقة شهدت منذ سنوات مشروعات حكومية لإنتاج الكهرباء من الرياح، ضمن استراتيجية مصر للاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها منطقة خليج السويس وساحل البحر الأحمر في مجال طاقة الرياح.
لكن المشروع الجديد لا يعني بالضرورة أن مصر «باعت المحطة القديمة» للشركة الفرنسية، وإنما يتعلق بتطوير مشروع جديد في موقع سبق استخدامه في مشروعات طاقة الرياح.
وهنا يجب التفريق بين ملكية الأرض وملكية محطة إنتاج الكهرباء وحق تطوير وتشغيل المشروع.
فكون الأرض مملوكة للدولة لا يعني بالضرورة أن الدولة يجب أن تكون هي المستثمر في كل مشروع يقام عليها.
لماذا لم تنفذ مصر المشروع بنفسها؟
السؤال مشروع، والإجابة ترتبط بالاقتصاد وليس بالطاقة فقط.
إنشاء محطة رياح ضخمة بقدرة 869 ميجاوات يتطلب استثمارات كبيرة، إضافة إلى توربينات ومعدات وشبكات وربط كهربائي وتمويل وخبرات فنية وتشغيلية.
وفي حالة تنفيذ المشروع حكوميًا بالكامل، تتحمل الدولة تكلفة الاستثمار والتمويل ومخاطر الإنشاء والتشغيل والصيانة.
أما نموذج الشراكة مع المستثمر الأجنبي فيتيح للدولة إضافة قدرات جديدة إلى شبكة الكهرباء دون تحمل كامل تكلفة الإنشاء مقدمًا، بينما يحصل المستثمر على عائد من بيع الكهرباء.
لكن في المقابل، تتحمل الدولة التزامًا طويل الأجل بشراء الكهرباء، ولذلك فإن تقييم الصفقة لا يجب أن يتوقف عند السؤال عن تكلفة إنشاء المحطة، وإنما يجب أن يشمل كامل الالتزامات المالية طوال مدة العقد.
2.4 سنت.. هل السعر منخفض؟
السعر المعلن، والبالغ نحو 2.4 سنت للكيلووات/ساعة، هو أحد أهم عناصر تقييم الصفقة.
فانخفاض سعر شراء الكهرباء من مشروعات الرياح يمكن أن يمثل ميزة اقتصادية لمصر، خصوصًا إذا تمت مقارنة السعر بتكلفة إنتاج الكهرباء من محطات تعتمد على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري.
لكن الحكم النهائي على الصفقة يحتاج إلى معرفة جميع بنود اتفاق شراء الطاقة، وليس السعر وحده.
ومن أهم الأسئلة التي تستحق الإجابة:
- هل السعر ثابت طوال مدة الـ20 عامًا؟
- هل توجد آلية لتعديل السعر؟
- من يتحمل مخاطر تغير سعر الصرف؟
- من يتحمل تكلفة الربط بالشبكة؟
- ما التزامات المستثمر في التشغيل والصيانة؟
- ماذا يحدث للمشروع بعد انتهاء مدة الاتفاق؟
- وما القيمة الاقتصادية التي تعود على الدولة من استخدام الأرض؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت الصفقة تحقق أفضل عائد ممكن لمصر.
ماذا عن تخصيص الأرض مقابل 2% من الإنتاج؟
من أبرز النقاط التي أثارت الاهتمام في تفاصيل المشروع حصول الشركة على حق استغلال أرض المشروع مقابل ما يعادل 2% من إنتاج المحطة وفق ما أوردته التغطيات الخاصة بالاتفاق.
وهذه النقطة تحتاج إلى قراءة دقيقة للعقد النهائي، لأن النسبة وحدها لا تكفي لتقييم المقابل الاقتصادي.
فالسؤال ليس فقط: «هل تحصل الدولة على 2%؟»، وإنما:
2% من الإنتاج أم من الإيرادات؟ ولمدة كم عامًا؟ وكيف يتم احتسابها؟ ومن يتحمل تكلفة نقل الكهرباء؟
إجابات هذه الأسئلة ضرورية للحكم على القيمة الحقيقية لحق استغلال الأرض.
هل المشروع يمثل بيعًا للثروة المصرية؟
من الناحية القانونية والاقتصادية، لا يمكن وصف المشروع على أنه «بيع أرض مصرية لشركة فرنسية» استنادًا إلى البيانات المنشورة.
فالدولة تمنح المستثمر حق تطوير واستغلال مشروع لإنتاج الكهرباء، بينما تظل الأرض أصلًا مملوكًا للدولة وفق الترتيبات القانونية المنظمة للمشروع.
لكن ذلك لا يمنع طرح سؤال أكثر أهمية:
هل تحصل مصر على المقابل الاقتصادي العادل نظير الأرض والموارد الطبيعية والبنية الأساسية، وفي الوقت نفسه تستفيد من التمويل والخبرة والتكنولوجيا الأجنبية؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون محور النقاش العام.
الرياح مصرية.. ولكن الاستثمار أجنبي
طاقة الرياح نفسها مورد طبيعي لا تشتريه مصر من فرنسا.
الرياح موجودة في الأراضي المصرية، والأرض مصرية، وشبكة الكهرباء مصرية، والمستهلك النهائي مصري.
لكن الشركة الأجنبية توفر رأس المال والتكنولوجيا وخبرات التطوير والتنفيذ والتشغيل، ثم تحصل على إيرادات مقابل الكهرباء التي تنتجها.
وهنا تظهر فلسفة الاستثمار الأجنبي في البنية التحتية: الدولة تستفيد من موردها الطبيعي، والمستثمر يستفيد من تشغيل رأس ماله وخبرته، والمستهلك يحصل على الكهرباء.
نجاح النموذج من عدمه يتوقف على شروط التعاقد وتوزيع المخاطر والعوائد.
مكسب استراتيجي أم التزام طويل الأجل؟
التوسع في طاقة الرياح يمثل أهمية استراتيجية لمصر، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة الاعتماد على الوقود الأحفوري والحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة.
كما أن زيادة الطاقة المتجددة تساعد على تحرير جزء من الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء، بما يمكن أن يتيح توجيهه إلى الاستخدامات الصناعية أو التصدير عندما تسمح الظروف.
لكن في المقابل، فإن عقود شراء الكهرباء طويلة الأجل تعني التزامات مستقبلية يجب أن تخضع لدراسة دقيقة، خصوصًا في ظل تغير أسعار التكنولوجيا والطاقة عالميًا.
ومن هنا، فإن الشفافية في إعلان تفاصيل العقود الاقتصادية تصبح ضرورية حتى يستطيع الرأي العام والخبراء تقييم الصفقة على أساس الأرقام، لا الانطباعات.
مصر لم تبع «الزعفرانة» لفرنسا، وإنما اختارت نموذجًا استثماريًا يسمح لشركة أجنبية بتطوير مشروع لإنتاج الكهرباء على أرض مصرية، مع شراء الدولة كامل الإنتاج لمدة 20 عامًا.
النموذج يمكن أن يكون مفيدًا إذا كان يوفر لمصر كهرباء منخفضة التكلفة، ويقلل أعباء الاستثمار المباشر، وينقل جزءًا من مخاطر المشروع إلى المستثمر، مع ضمان عائد عادل للدولة من استخدام الأرض.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الأهم:
هل كان بإمكان الدولة تنفيذ المشروع بتكلفة أقل وتحقيق عائد أكبر على المدى الطويل لو قامت بتمويله وامتلاكه بالكامل؟
الإجابة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما تحتاج إلى نشر الأرقام الكاملة للاتفاق: تكلفة المشروع، سعر شراء الكهرباء، مدة العقد، التزامات الدولة، حقوق المستثمر، مقابل استغلال الأرض، وآلية انتقال ملكية المشروع بعد انتهاء التعاقد.
فالقضية ليست «مصر أم فرنسا»..
القضية: هل حصلت مصر على أفضل صفقة ممكنة لاستغلال مورد طبيعي مصري؟
إعداد: سها البغدادي

تعليقات
إرسال تعليق