العصبي الطيب.. والنرجسي الخبيث: مش كل اللي بيغضب مؤذي

 

سها البغدادي 

بقلم: سها البغدادي | أوراق الورد 🌹

ليس كل إنسان عصبي إنسانًا سيئًا، وليس كل من يرفع صوته يحمل قلبًا أسود.

هناك إنسان عصبي، سريع الانفعال، قد تسبقه كلماته في لحظة غضب، ثم يندم عليها كثيرًا. إنسان قلبه أبيض، لا يجيد النفاق، ولا يعرف كيف يرتدي وجهًا لكل شخص. يقول ما يشعر به، وقد يخسر بعض الناس بسبب صراحته وحدّته، لكنه في النهاية لا يحمل الغدر في قلبه.

هذا الإنسان قد يؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره؛ فالغضب المستمر يستنزف طاقته، ويؤثر في راحته النفسية، ويجعله يعيش في حالة دائمة من التوتر والصراع مع من حوله.

لكن هنا يجب أن نتوقف قليلًا...

فالعصبية ليست هي النرجسية.

العصبي قد يثور لأنه متوتر، أو مجروح، أو لا يعرف كيف يعبّر عن مشاعره بطريقة هادئة. لكنه عندما يهدأ، يستطيع أن يراجع نفسه ويعتذر ويشعر بالندم.

أما النرجسي، فالمشكلة ليست في ارتفاع صوته فقط، وإنما في نمط تعامله مع الآخرين؛ قد يحاول السيطرة، وقلب الحقائق، وإلقاء اللوم على غيره، وتحويل نفسه من المخطئ إلى الضحية، وقد يستخدم التلاعب النفسي لإبقاء الطرف الآخر تحت سيطرته.

العصبي قد يندم لأنه جرحك... أما المتلاعب فقد يبحث عن طريقة تجعلك تشعر أنك أنت المخطئ لأنه جرحك.

وهنا يظهر الفرق الحقيقي.

لا تظلموا كل شخص عصبي وتضعوه في خانة واحدة.
فالناس ليست نسخًا متطابقة، والانفعال وحده لا يكفي للحكم على شخصية الإنسان أو أخلاقه.

هناك عصبي يحتاج إلى أن يتعلم كيف يسيطر على غضبه، ويعرف كيف يختلف دون أن يؤذي.

وهناك شخص هادئ جدًا، يتحدث بأرق الكلمات، لكنه يمارس التلاعب والخداع والسيطرة خلف هذا الهدوء.

لذلك لا تقيسوا الإنسان بصوته فقط، بل بأفعاله عندما يختلف معكم، وبطريقة تعامله عندما يخطئ، وبقدرته على الاعتذار وتحمل مسؤولية ما يفعل.

فالقلب الأبيض قد يغضب...
وقد يثور...
وقد يقول كلامًا يندم عليه.

لكنه لا يتعمد كسر من يحب، ولا يستمتع بإيذائه، ولا يحوّل العلاقة إلى معركة هدفها السيطرة.

وفي النهاية، العصبية ليست فضيلة، ولا ينبغي تبرير الأذى بحجة أن صاحبه "طيب".

فالإنسان الطيب أيضًا مسؤول عن إصلاح نفسه، وعن تعلم السيطرة على غضبه، لأن القلب الأبيض لا يعطي صاحبه الحق في جرح الآخرين.

وفي المقابل، لا تجعلوا هدوء الإنسان دليلًا على نقاء قلبه.

فأحيانًا يكون الصوت العالي مجرد غضب يحتاج إلى علاج... بينما يكون الصمت الهادئ وراءه تلاعب يحتاج إلى حذر.

وهذه هي الحكمة التي يجب أن نتعلمها في علاقاتنا:

لا تحكم على الإنسان من لحظة غضبه، احكم عليه من سلوكه المتكرر، ومن موقفه عندما يخطئ، ومن الطريقة التي يعاملك بها عندما لا يحصل على ما يريد.

لأن الفرق بين الإنسان العصبي والإنسان المؤذي ليس في نبرة صوته...

بل في قلبه، ونيته، وسلوكه عندما يختلف معك.

🌹 أوراق الورد —  فهم الإنسان لنفسه ولمن حوله هو أول طريق للسلام النفسي.

تعليقات