إيران ما بعد الحرب: من إدارة التهديد إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي


لم تعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، بعد أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة، مجرد نزاع حول البرنامج النووي أو نسب التخصيب أو ترتيبات الرقابة الدولية. لقد تحولت إلى صراع أوسع يتعلق بموقع إيران في النظام الإقليمي، وحدود النفوذ الأمريكي، ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي في الخليج، والقواعد التي ستنظم الأمن والطاقة والممرات البحرية في مرحلة ما بعد الحرب.

من داخل طهران، يبدو أن السؤال لم يعد: كيف يمكن العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع المواجهة؟ بل: لماذا ينبغي العودة إلى وضع أثبت عجزه عن منع العقوبات والاغتيالات والتخريب والهجمات العسكرية؟ فإيران ما بعد الحرب ليست إيران التي كانت تكتفي بإدارة التهديد، واحتواء التصعيد، وانتظار اتفاق نووي جديد. لقد تشكل إدراك أكثر عمقاً داخل مؤسسات الدولة بأن بقاء البيئة الإقليمية القديمة يعني بقاء التهديد قابلاً للتكرار، وأن وقف الحرب من دون معالجة مصادرها لن يكون سوى استراحة مؤقتة قبل جولة أخرى.

هذا التحول لا يعني أن إيران تبحث عن حرب مفتوحة أو تريد إغلاق أبواب الدبلوماسية، بل يعني أنها لم تعد ترى الدبلوماسية بديلاً عن الردع. التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية أنتجت قاعدة أمنية واضحة: لا قيمة للضمانات الخارجية إذا لم تكن الدولة قادرة على فرض كلفة حقيقية على من ينتهكها. فمن انقلاب عام 1953 ضد حکومة الدكتور مصدق إلى الحرب العراقية الإيرانية، ومن استخدام السلاح الكيميائي إلى العقوبات والاغتيالات، ومن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي إلى الضربات المباشرة الأخيرة، تراكمت داخل الوعي السياسي الإيراني قناعة بأن الضعف لا يمنع الحرب، بل قد يغري بها.

لهذا يصعب فهم الحسابات الإيرانية من خلال قراءة عدد المنصات الصاروخية التي دُمّرت، أو المنشآت التي أصيبت، أو النسب التي تعلنها واشنطن بشأن تراجع قدرة الجيش وحرس الثورة والقوة البحرية. فقد تتمكن الولايات المتحدة من إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت والمعدات، لكنها لم تثبت قدرتها على تدمير منظومة إنتاج القوة الإيرانية، ولا الإرادة السياسية التي تعيد بناء هذه القوة. وبين تدمير مخزن أو قاعدة وبين إسقاط القدرة الاستراتيجية لدولة واسعة مثل إيران، مسافة كبيرة.

إيران ليست مجرد مجموعة من الأهداف الثابتة. إنها دولة ذات عمق جغرافي واسع، وسواحل طويلة على الخليج الفارسي وبحر عمان، واتصال مباشر بالمحيط الهندي، وحدود برية وبحرية مع عدد كبير من الدول، وشبكات صناعية وعسكرية موزعة، ومنشآت تحت الأرض، وقدرة على تصنيع منظومات منخفضة الكلفة وقابلة للاستبدال السريع. لذلك، فإن تدمير جزء من قدراتها لا يعني إنهاء قدرتها على إعادة الإنتاج والتكيف.

لقد أظهرت الحرب أن القوة الإيرانية لا تعتمد فقط على الصواريخ الثقيلة أو المنشآت الكبرى، بل على شبكة مرنة من الورش والمصانع والقنوات التجارية والمواد مزدوجة الاستخدام والمسارات البرية والجوية. وتبدو الأولوية في المرحلة الراهنة لإعادة بناء القدرات الأسرع إنتاجاً والأكثر صعوبة في الاستهداف: الطائرات المسيّرة، والصواريخ المتحركة، والأنظمة المقاومة للتشويش، والذخائر الجوالة، والقدرات البحرية اللامتماثلة. وهذه الأسلحة لا تستهدف فقط إحداث دمار عسكري مباشر، بل استنزاف منظومات الدفاع الأمريكية مرتفعة الكلفة.

في هذا النوع من الحروب، لا تكون المعادلة بين صاروخ وصاروخ، بل بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع. فإذا استطاعت إيران إجبار الولايات المتحدة على استخدام صواريخ اعتراضية يبلغ ثمن الواحد منها ملايين الدولارات لمواجهة مسيّرات أو مقذوفات أقل كلفة بكثير، فإن نجاح الدفاع الأمريكي لا يمنع وقوع استنزاف اقتصادي ولوجستي. وقد تكون المنظومة الدفاعية ناجحة من الناحية التقنية، لكنها خاسرة من الناحية الاستراتيجية إذا استهلكت مخزوناً لا يمكن تعويضه بسرعة وقلصت قدرة واشنطن على الاستعداد لجبهات أخرى في شرق آسيا أو أوروبا.

من هنا، تعمل إيران وفق منطق يمكن وصفه بـ«الردع عبر الاستنزاف». فهي لا تحتاج إلى تدمير القوة العسكرية الأمريكية، وهو هدف غير واقعي، بل إلى رفع كلفة بقائها وعملياتها إلى المستوى الذي تصبح فيه الحرب غير قابلة للاستمرار سياسياً ومالياً وعسكرياً. وهذا ما يفسر استهداف قواعد القيادة والرادار والإمداد، والاعتماد على الهجمات الموزعة، ومحاولة إبقاء القوات الأمريكية في حالة دفاع مستمر.

وتحتل الجغرافيا مكاناً مركزياً في هذه الاستراتيجية. فمضيق هرمز لم يعد بالنسبة إلى طهران مجرد ورقة لتهديد صادرات النفط، بل أداة لإعادة تعريف دور إيران في النظام البحري الإقليمي. الخلاف الراهن ليس فقط حول فتح المضيق أو إغلاقه، وإنما حول الجهة التي تملك حق تحديد قواعد العبور وترتيبات الأمن والمراقبة. إيران تريد الانتقال من موقع الدولة التي تُفرض عليها قواعد الملاحة إلى موقع الدولة التي تشارك في وضع هذه القواعد.

لذلك تنظر طهران إلى محاولات تشكيل تحالفات بحرية دولية أو زيادة الوجود العسكري تحت عنوان حماية الملاحة أو إزالة الألغام باعتبارها محاولة لإعادة فرض السيطرة الأمريكية على المضيق. وبالنسبة إليها، فإن أي تفاهم لا يعترف بدورها المركزي في أمن هرمز سيبقى اتفاقاً هشاً وقابلاً للانهيار.

أما التطور الأكثر خطورة في الأيام الأخيرة، فهو انتقال الحرب بصورة أوضح إلى الساحة العراقية، من خلال استهداف مواقع تابعة للحشد الشعبي في جنوب العراق ومناطق قريبة من كربلاء، وسقوط قتلى وجرحى، إلى جانب استهداف بعض المرافق والأنشطة المرتبطة بموسم زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام. هذا التطور لا يوسع جغرافية الحرب فقط، بل ينقلها إلى المجال الاجتماعي والديني والرمزي. فالحشد ليس مجرد قوة مسلحة؛ إنه جزء من البنية الرسمية العراقية، وله امتداد اجتماعي وعقائدي، كما أن مواكب الأربعين ليست منشآت عسكرية بل جزء من الذاكرة والهوية الجماعية والدينية لملايين العراقيين.

قد يكون الهدف الأمريكي من هذه الضربات إضعاف الحشد، وفصل العراق عن شبكة الردع الإقليمية الإيرانية، وقطع الطرق البرية الممتدة نحو سورية ولبنان. لكن النتيجة قد تكون معاكسة. فاستهداف الحشد يمنح الفصائل العراقية مبرراً وطنياً مباشراً للانخراط في المواجهة تحت عنوان الدفاع عن السيادة والثأر لضحاياها، بعد أن كان خصومها يصورون مشاركتها المحتملة باعتبارها استجابة لمصالح إيرانية لا عراقية.

هنا تكمن مفارقة التصعيد: كلما سعت واشنطن إلى تضييق المجال الإقليمي لإيران، وسعت بنفسها عدد الجبهات والأهداف الأمريكية المعرضة للاستنزاف. العراق ليس ساحة هامشية؛ إنه العقدة الجغرافية التي تربط إيران بسورية والأردن ودول الخليج وتركيا. وإذا تحولت فصائل الحشد إلى طرف مباشر في الحرب، فإن القواعد الأمريكية في العراق والأردن والكويت ستصبح أكثر تعرضاً للضغط، وستقترب عقيدة «وحدة الساحات» من التحول من شعار سياسي إلى واقع عملياتي.

إيران تدرك في الوقت نفسه أن الحرب متعددة الجبهات تحمل مخاطر كبيرة، ولذلك لا يبدو أنها تسعى إلى إطلاق جميع الجبهات دفعة واحدة. استراتيجيتها الأقرب هي الإبقاء على قدرة التفعيل، وتوزيع الضغط، ومنع الولايات المتحدة وإسرائيل من حصر الحرب داخل الحدود الإيرانية. فالردع الإقليمي لا يعني بالضرورة قيادة مركزية واحدة، بل يعني أن الهجوم على جبهة يمكن أن يرفع مستوى التهديد في جبهات أخرى.

دخول السعودية بصورة علنية في الضربات الأخيرة يمثل تحولاً لا يقل أهمية. فالرياض كانت تحاول خلال السنوات الماضية تقديم نفسها وسيطاً أو لاعباً قادراً على التواصل مع مختلف الأطراف. أما مشاركتها العسكرية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فتدفعها من موقع الوسيط إلى موقع الطرف. وهذا يغيّر الحسابات الإيرانية بشأن أمن دول الخليج، ويجعل البنية العسكرية والقواعد والمنشآت النفطية المستخدمة في دعم العمليات الأمريكية جزءاً من البيئة العملياتية للصراع.

كما أن استناد السعودية إلى حق الدفاع عن النفس يفتح نقاشاً معقداً؛ فإذا اعتُبرت مشاركة دولة في عمليات عسكرية منطلقة من أراضيها مبرراً للرد، فإن إيران تستطيع استخدام المنطق نفسه تجاه الدول التي تستضيف قواعد أمريكية أو تسمح باستخدام مجالها الجوي وبنيتها التحتية في الهجمات.

لكن الخطر على الحكومات الإقليمية ليس عسكرياً فقط. فالتطورات في الأردن تكشف وجود فجوة متزايدة بين حسابات بعض الحكومات ومواقف قطاعات من مجتمعاتها. ارتفاع الأصوات المطالبة بخروج القوات الأمريكية يعكس شعوراً بأن القواعد لم تعد توفر الأمن، بل تحوّل الدولة المضيفة إلى هدف. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة غير العسكرية لإيران: العمق الاجتماعي والثقافي والسياسي في المنطقة.

هذا العمق لا يعني تأييد جميع المجتمعات العربية للسياسات الإيرانية، لكنه يكشف أن صورة الصراع تختلف بين الحكومات والشعوب. فبينما ترى بعض الحكومات في الوجود الأمريكي ضمانة أمنية، تنظر إليه شرائح شعبية باعتباره سبباً لاستدراج بلدانها إلى الحرب. كما أن مواجهة إيران لإسرائيل وتمسكها بالقضية الفلسطينية يمنحانها رصيداً سياسياً داخل مجتمعات عربية قد تختلف معها مذهبياً أو سياسياً، لكنها ترفض الهيمنة الإسرائيلية وترى أن مسار التطبيع لم ينتج أمناً ولا حلاً للقضية الفلسطينية.

القضية الفلسطينية في الرؤية الإيرانية ليست ملفاً جانبياً، بل جزء من بنية الأمن الإقليمي. فإسرائيل، من وجهة نظر طهران، لا تسعى فقط إلى منع السلاح النووي، بل إلى تثبيت تفوق عسكري يسمح لها بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتوسيع اتفاقات التطبيع، وتقليص القضية الفلسطينية، وتفكيك القوى القادرة على منعها من التحول إلى القوة المركزية المهيمنة في المنطقة. لذلك لا يمكن فصل المفاوضات النووية عن الصراع الأوسع حول موقع إيران ودور إسرائيل.

هذا ما يفسر تحفظ طهران على العودة السريعة إلى المفاوضات. المشكلة بالنسبة إليها ليست في مبدأ التفاوض، بل في التفاوض تحت النار، وفي مطالبتها بتقديم ضمانات مادية ونهائية مقابل وعود سياسية قابلة للتراجع. لقد اختبرت إيران اتفاقاً نووياً انسحبت منه واشنطن من جانب واحد، ولذلك لن تقبل بسهولة بتسليم أوراقها الأساسية قبل الحصول على مقابل قابل للتحقق.

من المرجح أن تطالب إيران في أي مفاوضات مقبلة بتسلسل مختلف: وقف الهجمات أولاً، ثم إجراءات متبادلة لخفض التصعيد، ورفع عملي وقابل للقياس للعقوبات، وضمانات أمنية ضد استهداف الأراضي والمنشآت والعلماء، وبعد ذلك يمكن بحث الترتيبات الفنية للبرنامج النووي والملاحة في هرمز.

وفي ما يتعلق بالمخزون النووي والقدرة التقنية، ستتمسك إيران بالفصل بين السلاح النووي والعتبة النووية. فهي تعلن التزامها بتحريم السلاح النووي، لكنها لا ترى في ذلك سبباً للتخلي عن المعرفة والتخصيب والقدرة الفنية التي أصبحت، بعد الحرب، جزءاً من أمنها القومي. ومن وجهة نظرها، فإن تسليم هذه الأوراق قبل الحصول على ضمانات حقيقية قد يفتح «نافذة ضعف» تسمح للخصم بالانتقال من الملف النووي إلى الصواريخ، ثم إلى الحلفاء الإقليميين، ثم إلى بنية الدولة نفسها.

لهذا، فإن المفاوضات المقبلة لن تكون اختباراً لاستعداد إيران لتقديم تنازلات فقط، بل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من سياسة الإكراه إلى سياسة إدارة التوازن. واشنطن لا تعاني نقصاً في القدرة على توجيه ضربة جديدة، بل تعاني غياب تصور مقنع لكيفية تحويل الضربات إلى نتيجة سياسية مستقرة.

أمام الإدارة الأمريكية ثلاثة مسارات، وجميعها مكلفة. التصعيد الكبير قد يلحق أضراراً واسعة بإيران، لكنه يهدد بإشعال حرب إقليمية وتعريض القواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها للخطر، من دون ضمان استسلام طهران. أما خفض التصعيد فيحمل كلفة سياسية داخلية، وقد يُقدّم بوصفه تراجعاً. فيما يعني استمرار الوضع الحالي تحوّل الحرب إلى بنية مزمنة: هرمز ليس مفتوحاً بالكامل ولا مغلقاً، والضربات لا تتوقف نهائياً، والمفاوضات لا تنهار ولا تنجح.

لكن إيران تراهن على أن الزمن يعمل ضد هذا الوضع. فهي تقاتل قرب حدودها، وتستخدم أدوات أقل كلفة، وتستفيد من الجغرافيا، بينما تضطر الولايات المتحدة إلى حماية شبكة واسعة من القواعد والسفن والحلفاء. وكلما طال الصراع، ارتفعت كلفة الانتشار الأمريكي، وازداد الضغط الداخلي على الحكومات المضيفة، وتراجعت قدرة واشنطن على الفصل بين جبهات الشرق الأوسط ومنافساتها العالمية.

من هنا، لا يبدو الهدف الإيراني النهائي مجرد وقف إطلاق النار أو العودة إلى اتفاق نووي معدل. الهدف الأعمق هو إنتاج معادلة تجعل تكرار التهديد أكثر صعوبة وكلفة، وتقلص إمكانية استخدام الأراضي الإقليمية للهجوم على إيران، وتفرض الاعتراف بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى ضد إيران أو من دونها.

إيران ما بعد الحرب لا تبحث عن مواجهة بلا نهاية، لكنها لا تريد العودة إلى النظام الذي أنتج الحرب. إنها تحاول الانتقال من إدارة الخطر إلى تغيير مصادره، ومن الدفاع عن موقعها داخل النظام الإقليمي إلى المشاركة في إعادة صياغة هذا النظام.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط في غرف التفاوض أو في ميادين القتال، بل في القدرة على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: هل ستقبل الولايات المتحدة وإسرائيل بإيران قوة إقليمية لها مصالح وحقوق وحدود لا يمكن تجاوزها، أم ستستمران في محاولة إعادتها إلى موقع الدولة المحاصرة التي تفاوض تحت التهديد؟

إذا استمرت المقاربة الثانية، فلن تكون النتيجة سلاماً ولا نصراً حاسماً، بل حرب استنزاف أوسع، تمتد من هرمز إلى العراق، ومن القواعد الأمريكية إلى الممرات البحرية. أما إذا انتقلت واشنطن من منطق إخضاع إيران إلى منطق تنظيم التوازن معها، فقد تصبح المفاوضات مدخلاً لترتيبات إقليمية جديدة لا تعيد إنتاج ما قبل الحرب، بل تعالج الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة.

 


د. رحيم كثير - إيران

تعليقات