قبل أن تعود إليه... تذكّر لماذا رحلت أول مرة

 

سها البغدادي 

أوراق الورد 🌹 سها البغدادي

أحيانًا لا يكون أصعب ما نواجهه بعد انتهاء العلاقة هو الفراق نفسه، بل الحنين الذي يزورنا في لحظات الضعف. ذلك الحنين الذي يجمّل الذكريات، ويخفي الوجع، ويجعلنا نتذكر الضحكات وننسى الليالي التي بكينا فيها حتى غلبنا النوم.

الإنسان عندما يشتاق، لا يشتاق دائمًا إلى الشخص، بل إلى الإحساس الذي كان يتمنى أن يجده معه. ولهذا، فإن أخطر قرار قد تتخذه هو أن تعود بعاطفتك، بينما ذاكرتك انتقت أجمل المشاهد وتركت أكثرها قسوة.

قبل أن تمد يدك لتفتح بابًا أغلقته الأيام، توقف قليلًا... واسأل نفسك: هل تغير هذا الشخص حقًا؟ أم أن الذي تغير هو قدرتك على احتمال الألم؟

تذكر كم مرة كنت تنتظر رسالة لم تصل، أو اتصالًا لم يأتِ، أو اهتمامًا كنت تراه حقًا طبيعيًا، بينما كان يراه هو عبئًا يمكن تأجيله. تذكر ذلك الشعور القاسي عندما كنت تحتاج إليه بكل ما فيك، فوجدت مكان الاحتواء فراغًا، ومكان الأمان صمتًا باردًا لا يعرف الرحمة.

تذكر كيف تحولت مع الوقت إلى شخص لا يشبه نفسه. كيف أصبحت تراقب كلماتك، وتحسب تصرفاتك، وتخاف من كل رد فعل، حتى فقدت عفويتك وسلامك النفسي. لم تعد تعيش العلاقة، بل تعيش على أطراف أصابعك خوفًا من خسارة شخص لم يكن يخاف خسارتك يومًا.

اسأل نفسك: كيف استطاع أن يختارك ألف مرة بقرار واحد، لكنه اختار في كل مرة أن يؤجلك ويختار مصلحته ؟ كيف كان يملك القدرة على أن يطمئن قلبك، لكنه تركه معلقًا بين الأمل والخذلان؟

ليست كل الجروح تُرى بالعين. هناك ندوب حفرتها الخيبة في الروح، وتشوهات تركها الإهمال داخل القلب، لا يراها الناس، لكنها تظهر في خوفك من الحب، وفي شكك بكل مشاعر صادقة، وفي ارتباكك كلما اقترب منك شخص يريد أن يمنحك ما حُرمت منه.

تذكر كم ليلة نمت ودموعك تسبقك إلى الوسادة. كم مرة شعرت أنك لا تكفي، وأن المشكلة فيك، بينما الحقيقة أن الحب لا يجعل صاحبه يشعر بالنقص، بل يمنحه الطمأنينة والكرامة.

تذكر أيضًا كل التنازلات التي قدمتها. كم حلمًا أجلته، وكم أمنية دفنتها، وكم شخصًا ابتعدت عنه حتى ترضي إنسانًا لم يقدّر حجم ما كنت تفعله من أجله. وقفت أمام الجميع تدافع عنه، وصدقت أعذاره، وبررت أخطاءه، وانتصرت له حتى في اللحظات التي كان فيها هو أول من ظلمك.

المؤلم أن بعض الناس لا يكتفون بخذلانك، بل يجعلونك تعتذر عن ألم تسببوا هم فيه، ويقنعونك أن المشكلة في حساسيتك، بينما المشكلة الحقيقية كانت في قسوة قلوبهم.

لا تجعل الحنين يخدعك. فالحنين لا يتذكر الإهانات، ولا يتذكر الانتظار، ولا يستحضر الشعور بالعجز وأنت تتوسل قليلًا من الاهتمام. الحنين يلتقط صورة جميلة من الماضي، لكنه يخفي خلفها ألبومًا كاملًا من الوجع.

العودة إلى علاقة كسرتك دون أن يتغير أصحابها، ليست فرصة جديدة، بل إعادة للفصل نفسه مع نهاية تعرفها جيدًا. ومن يؤذيك بالطريقة نفسها، سيؤذيك مرة أخرى، لأن الاعتذار وحده لا يغير الطباع، والكلمات الجميلة لا تمحو سنوات من الإهمال إذا لم تتبعها أفعال حقيقية.

اختر نفسك هذه المرة. اختر راحتك، وصحتك النفسية، وكرامتك التي دفعت ثمنها غاليًا. لا تعد إلى المكان الذي خرجت منه وأنت تجمع بقايا قلبك، ولا تمنح فرصة جديدة لمن استهان بكل الفرص التي منحته إياها.

وتذكر دائمًا...

إذا كان الرجوع سيكلفك سلامك النفسي، فالغربة عن بعض الأشخاص أرحم ألف مرة من القرب منهم. فهناك أبواب لا تُغلق انتقامًا، بل تُغلق رحمةً بما تبقى من القلب، وحتى لا تعود لتعيش الكسر نفسه، بينما لم يعد في روحك مكان يحتمل انكسارًا جديدًا.

تعليقات