85 مقاتلًا غادروا الجنوب لنصرة فلسطين.. ودفعة ثانية دفعت ثمن التضامن أكثر من 20 شهيدًا
سها البغدادي – تحقيق
في واحدة من الشهادات التي تستعيد صفحات من الذاكرة العربية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، يروي عميد الأسرى أحمد المرقشي تفاصيل مشاركته ضمن صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح – العاصفة» خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، مؤكدًا أن مشاركته جاءت في إطار تطوعي وقومي لنصرة الشعب الفلسطيني.
وبحسب روايته، فإن القصة بدأت في 1 يونيو 1982، عندما التحق بالدفعة الأولى من المتطوعين من أبناء الجنوب العربي، والتي ضمت نحو 85 مقاتلًا، بعد فتح باب التطوع لنصرة فلسطين ولبنان، بالتزامن مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
وكان المرقشي يبلغ من العمر آنذاك 19 عامًا، وتم توزيع المتطوعين، وفق شهادته، ضمن كتيبة الجليل – قوات الكرامة التابعة لحركة «فتح – العاصفة»، تحت قيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات «أبو عمار».
من التطوع إلى خطوط المواجهة
يقول المرقشي إن المتطوعين شاركوا في مهام قتالية ودفاعية خلال الاجتياح الإسرائيلي، وتمركزوا في عدد من المواقع ضمن خطوط المواجهة حول بيروت.
ويضيف أن الظروف كانت شديدة الصعوبة، في ظل القصف المتواصل ونقص الإمكانات، إلا أن أفراد الدفعة واصلوا وجودهم في مواقعهم حتى نهاية عام 1982، بدافع ما وصفه بالإيمان بعدالة القضية الفلسطينية واعتبار الدفاع عنها مسؤولية قومية.
الدفعة الثانية.. قصف إسرائيلي وشهداء من أبناء الجنوب
ولا تتوقف شهادة المرقشي عند مشاركته الشخصية، بل تتضمن واحدة من أكثر الوقائع التي يصفها بأنها بقيت عالقة في ذاكرته.
ففي يوليو 1982، وصلت دفعة ثانية من المتطوعين الجنوبيين إلى لبنان، قوامها، بحسب روايته، نحو 80 مقاتلًا.
ويقول المرقشي إن القافلة تعرضت لقصف جوي إسرائيلي أثناء وصولها، ما أدى – وفق شهادته – إلى استشهاد أكثر من 20 شابًا من أبناء الجنوب.
وبحسب الرواية التي يقدمها المرقشي، أعيدت جثامين الشهداء إلى عدن، حيث شارك المواطنون في مراسم تشييع رسمية وشعبية، بحضور الرئيس علي ناصر محمد، وسط حالة من الحزن والفخر بتضحيات هؤلاء الشباب.
لماذا غادر المرقشي الجبهة؟
استمرت مشاركة المرقشي، وفق شهادته، حتى نهاية عام 1982، لكنه قرر العودة عندما رأى أن المشهد بدأ يتحول من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى اقتتال داخلي بين الفصائل الفلسطينية.
وهنا يوضح المرقشي موقفه قائلًا إن ذهابه إلى لبنان كان بهدف مواجهة الاحتلال ونصرة القضية الفلسطينية، وليس للمشاركة في صراع داخلي بين أبناء القضية الواحدة.
ويؤكد أن رفضه توجيه السلاح إلى «الإخوة» كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى إنهاء مشاركته والعودة، معتبرًا أن الاقتتال الداخلي يمثل خروجًا عن الهدف الذي جاء من أجله المتطوعون.
سبعة أشهر صنعت ذاكرة لا تُنسى
وبحسب المرقشي، فقد امتدت فترة وجوده في لبنان قرابة سبعة أشهر، من يونيو وحتى نهاية ديسمبر 1982، وهي فترة وصفها بأنها حملت الكثير من التجارب والمعاناة والخسائر والدروس التي ظلت حاضرة في ذاكرته.
ويؤكد أن حديثه اليوم لا يستهدف تحقيق مجد شخصي أو الحصول على تعويض، وإنما توثيق ما عاشه وتخليد ذكرى من يقول إنهم قدموا حياتهم دفاعًا عن فلسطين.
من ذاكرة 1982 إلى غزة اليوم
ولا يفصل المرقشي بين تجربته القديمة في لبنان وما تشهده غزة حاليًا، إذ يرى أن استمرار معاناة الفلسطينيين يطرح أسئلة كبيرة حول الموقف العربي والإسلامي تجاه القضية الفلسطينية.
ويعتبر أن ما وصفه بالخذلان لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية، وإنما بأزمة أوسع في القيم الأخلاقية والإنسانية والدينية، داعيًا إلى إعادة الاعتبار لمبدأ نصرة المظلوم والوقوف إلى جانب الشعوب التي تتعرض للحروب والمعاناة.
ويختتم المرقشي شهادته بالتأكيد على أن الأمل في النصر لا يزال قائمًا، وأن فلسطين ستظل، من وجهة نظره، قضية لا تسقط بالتقادم ولا تغيب عن ذاكرة من شاركوا في الدفاع عنها.
شهادة تحتاج إلى التوثيق
وتبقى شهادة أحمد المرقشي، بما تتضمنه من أرقام وأسماء ووقائع ميدانية، مادة تاريخية قابلة للبحث والتوثيق من خلال السجلات والشهادات الفلسطينية واللبنانية واليمنية، خصوصًا فيما يتعلق بأعداد المتطوعين، وأسماء الشهداء، وتفاصيل القصف الذي تعرضت له الدفعة الثانية.
فالتاريخ لا يُكتب فقط من البيانات الرسمية، وإنما أيضًا من شهادات من عاشوا الأحداث، على أن تظل هذه الشهادات مفتوحة أمام الوثائق والأدلة التي تؤكدها أو تدقق تفاصيلها.
صوت العرب نيوز
تحقيق يفتح ملفًا من ذاكرة النضال العربي الفلسطيني: متطوعون من الجنوب العربي في بيروت 1982.. شباب حملوا السلاح نصرة لفلسطين، ثم عاد بعضهم عندما تحول سلاح القضية إلى اقتتال داخلي.

تعليقات
إرسال تعليق