من أزمة «مديري مدارس القليوبية» إلى واقعة الشهر العقاري بأسوان.. أين تنتهي سلطة المحافظ وأين تبدأ سلطة الوزارة؟

 

كتبت سها البغدادي 

أثارت الوقائع الأخيرة في القليوبية وأسوان سؤالًا واحدًا يتجاوز الأشخاص والمواقف: هل المحافظ مسؤول فقط عن المكان والخدمة، أم يمتلك سلطة مباشرة على العاملين التابعين للوزارات داخل محافظته؟

الإجابة القانونية ليست «نعم» مطلقة ولا «لا» مطلقة.

فقانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 يمنح المحافظ سلطات تنفيذية واسعة بالنسبة للمرافق التي تدخل في اختصاص الإدارة المحلية، بينما يظل للعاملين بالجهات التابعة للوزارات المركزية وضع وظيفي تحكمه طبيعة الجهة واختصاصاتها القانونية.

القليوبية.. عندما تتحول الجولة التفقدية إلى أزمة

في القليوبية، أثارت جولة المحافظ داخل إحدى المدارس جدلًا واسعًا بعد ملاحظاته على استعدادات المدرسة، وبرزت خلالها واقعة مدير مدرسة ظهر بملابس اعتبرها المحافظ غير مناسبة، بينما أوضح المدير أنه كان يشارك في أعمال تجهيز وتنظيف المدرسة قبل بدء الدراسة.

كما أثارت واقعة أخرى تخص مديرة مدرسة جدلًا حول الإنفاق على احتياجات المدرسة من مالها الخاص، قبل أن تؤكد المديرة استمرارها في أداء عملها ومتابعة تجهيزات المدرسة.

وهنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى معركة بين «المحافظ» و«مدير المدرسة».

السؤال الأهم هو:

هل كانت المشكلة في أداء المديرين، أم في الظروف والإمكانات التي يعملون في ظلها؟

فإذا كانت المدرسة تعاني نقصًا في العمالة أو الصيانة أو التمويل، فإن تحميل مدير المدرسة وحده مسؤولية كل أوجه القصور يحتاج إلى فحص موضوعي للإمكانات والاختصاصات والموارد المتاحة له.

المحافظ.. هل يحق له دخول المدرسة ومحاسبة المسؤولين؟

نعم، للمحافظ دور أصيل في المتابعة المحلية للعملية التعليمية.

فقانون التعليم ينص على تولي المحافظات العملية التنفيذية التعليمية والمتابعة المحلية، وإنشاء وتجهيز وإدارة المدارس الداخلة في اختصاصها، وفق الإطار القانوني والخطة القومية للتعليم.

وبالتالي فمن الطبيعي أن يتفقد المحافظ المدارس، ويتابع مستوى الخدمة، ويرصد مشكلات النظافة والصيانة والانضباط والاستعداد للعام الدراسي، ويطلب معالجة أوجه القصور.

لكن هناك فارقًا جوهريًا بين:

المتابعة والرقابة على مستوى الخدمة

وبين

مباشرة كل اختصاصات وزير التربية والتعليم أو السلطة الوظيفية المختصة بالعامل.

وهنا يجب أن يكون أي إجراء إداري أو تأديبي قائمًا على الاختصاص القانوني، لا على الانطباع الشخصي أو لحظة الغضب.

وماذا عن موظف الشهر العقاري؟

هنا تختلف الصورة.

موظف الشهر العقاري تابع لجهة مركزية، وبالتالي لا يمكن اعتبار المحافظ رئيسه الإداري المباشر لمجرد أن مقر عمله يقع داخل المحافظة.

لكن في الوقت نفسه، لا يصح القول إن وجود الموظف تحت مظلة وزارة العدل يعني أن المحافظ «ليس له أي حق في متابعته».

فقانون الإدارة المحلية يقرر للمحافظ دورًا في الإشراف والمتابعة بالنسبة إلى فروع الوزارات والجهات التي لم تنقل اختصاصاتها إلى الوحدات المحلية، مع وجود اختصاصات محددة له تجاه العاملين بها وفق القانون.

أي أن المحافظ يستطيع أن يسأل:

لماذا المواطنون متكدسون؟

لماذا الخدمة متعطلة؟

من المسؤول عن القصور؟

وما الإجراءات المطلوبة لحل المشكلة؟

لكن لا يعني ذلك أن المحافظ أصبح وزير العدل داخل محافظته.

«أنا تابع للوزارة».. هل تنهي المسألة؟

لا.

التبعية الوظيفية للوزارة لا تعني خروج الموظف تمامًا من نطاق المتابعة المحلية.

وفي المقابل، وجود المحافظ على رأس السلطة التنفيذية بالمحافظة لا يمنحه سلطة مطلقة على جميع موظفي الدولة الموجودين جغرافيًا داخل حدود المحافظة.

الحد الفاصل هو الاختصاص الذي حدده القانون.

المشكلة الحقيقية.. عندما يغيب وضوح المسؤولية

الخطورة ليست فقط في الخلاف بين المحافظ ومدير مدرسة أو موظف وزارة.

الخطورة الحقيقية أن يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع ثمن تضارب الاختصاصات.

فالمواطن لا يعنيه في النهاية:

هل الموظف تابع للوزارة أم المحافظة؟

هو يريد مدرسة نظيفة، ومستشفى يقدم الخدمة، ومصلحة حكومية تنهي معاملته، ومرفقًا يعمل بكفاءة.

ولهذا فإن المطلوب ليس تقليص دور المحافظ، وإنما تحديد صلاحياته بوضوح ومنع تضاربها مع صلاحيات الوزراء والجهات المركزية.

رسالة إلى الجميع

المحافظ ليس فوق القانون، والموظف ليس خارج القانون.

المحافظ من حقه أن يراقب الخدمة ويحاسب في حدود اختصاصه.

والموظف من حقه أن يتمسك بالقانون إذا طُلب منه تنفيذ إجراء خارج اختصاص من أصدره.

لكن لا يجوز أن يتحول التمسك بالاختصاص إلى تعطيل لمصالح المواطنين، كما لا يجوز أن تتحول هيبة المنصب إلى تجاوز للصلاحيات.

فى النهاية 

ما حدث في القليوبية وأسوان يجب أن يكون فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين المحافظ والوزارات والموظفين.

نحن بحاجة إلى محافظ قوي يتابع الخدمات ويحمي حق المواطن، لكننا في الوقت نفسه بحاجة إلى إدارة تعرف حدود سلطتها.

فالمشكلة ليست في أن المحافظ يتفقد مدرسة أو مصلحة حكومية.

المشكلة تبدأ عندما لا يكون واضحًا: ماذا يحق له أن يفعل بعد أن يكتشف الخطأ؟ ومن يملك سلطة محاسبة الموظف؟

وهنا يجب أن تكون الإجابة واحدة:

القانون أولًا.. لا هيبة المنصب وحدها، ولا التبعية الوظيفية وحدها.المصادر القانونية الأساسية التي بُني عليها التحقيق: قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، وقانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، مع الاستناد إلى التغطية الحديثة لوقائع القليوبية

تعليقات

  1. بارك الله في سموك وجزاكم الله خير الجزاء

    ردحذف

إرسال تعليق