بعد إعلان الحوثيين الحظر البحري.. أين اتجه النفط السعودي؟

سها البغدادي 

تراجع حركة «ينبع» وتحول جزء من الشحنات إلى مصر ورأس الرجاء الصالح.. وإغلاق خط شرق–غرب يفتح أزمة جديدة

كتب: سها البغدادي

دخلت صادرات النفط السعودية مرحلة جديدة من الاضطراب بعد إعلان جماعة الحوثيين في اليمن ما وصفته بـ«الحظر البحري» على السعودية، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على السفن والبنية التحتية النفطية، وتقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن باتجاه باب المندب.

وتكشف بيانات حركة الناقلات أن التأثير لم يعد نظريًا؛ فقد تراجعت شحنات النفط الخارجة من ميناء ينبع بصورة واضحة خلال الأسابيع الماضية، بينما لجأت السعودية وشركات الشحن إلى إعادة ترتيب مسارات التصدير لتجنب المرور بالمناطق الأكثر خطورة في البحر الأحمر.

ينبع.. من بوابة استراتيجية إلى نقطة تحت الضغط

كان ميناء ينبع يمثل أحد أهم منافذ النفط السعودية على البحر الأحمر، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز.

لكن إعلان الحوثيين الحظر البحري في يوليو أدى إلى اضطراب حركة الناقلات المتجهة جنوبًا نحو باب المندب.

وأظهرت بيانات ملاحية أن ناقلات تحمل النفط السعودي غيرت مساراتها وعادت شمالًا بدلًا من مواصلة الرحلة باتجاه آسيا عبر البحر الأحمر وباب المندب. كما سجلت صادرات ينبع انخفاضًا حادًا خلال أغسطس، وفق بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز.

ووصلت صادرات ينبع، وفق بيانات Kpler الأولية، إلى نحو 1.43 مليون برميل يوميًا في أغسطس، مقارنة بمتوسط يقارب 3.9 مليون برميل يوميًا خلال الأشهر الثلاثة السابقة، بينما ارتفعت صادرات محطة سيدي كرير المصرية إلى أكثر من مليوني برميل يوميًا في أغسطس.

أين ذهب النفط السعودي؟

البديل الأبرز كان الاتجاه شمالًا عبر مصر.

فبدلًا من إرسال النفط من ينبع جنوبًا عبر باب المندب إلى آسيا، جرى تحويل جزء من الشحنات إلى مسار يعتمد على خط سوميد المصري، الذي ينقل الخام من العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على البحر المتوسط.

وبعد وصول الخام إلى الساحل المتوسطي، يمكن تحميله على ناقلات تتجه إلى الأسواق المختلفة.

كما ظهرت مسارات أخرى تعتمد على الإبحار حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الآسيوية، وهو طريق أطول وأكثر تكلفة لكنه يتجنب المرور ببؤر الخطر في البحر الأحمر وباب المندب.

وتشير بيانات شركة Windward إلى أن السعودية أنشأت بالفعل مسارًا بديلًا يعتمد على سوميد، مع استمرار بعض الناقلات في الالتفاف حول أفريقيا للوصول إلى آسيا، وهو ما يضيف تكاليف نقل كبيرة إلى البرميل.

لماذا أصبحت مصر نقطة مهمة في المعادلة؟

المسألة هنا لا تتعلق فقط بنقل النفط من مكان إلى آخر، وإنما بإعادة رسم خريطة تجارة الطاقة في المنطقة.

فزيادة تدفقات النفط السعودي إلى سيدي كرير تعني أن مصر أصبحت جزءًا أساسيًا من محاولة الحفاظ على حركة الخام السعودي بعيدًا عن أخطار باب المندب.

وكانت رويترز قد أشارت في أغسطس إلى ارتفاع تدفقات النفط السعودي عبر قناة السويس وخط سوميد، مع وصول شحنات سيدي كرير إلى مستويات قياسية، في وقت تراجعت فيه حركة باب المندب.

لكن هذا المسار يواجه الآن اختبارًا جديدًا.

إغلاق خط شرق–غرب.. ضربة للمسار البديل

في تطور أكثر خطورة، تعرض خط أنابيب شرق–غرب السعودي لهجوم أدى إلى توقفه مؤقتًا.

ويمثل الخط شريانًا استراتيجيًا ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، وبالتالي فإن توقفه يحد من قدرة السعودية على نقل الخام إلى ينبع ومن ثم استخدام مسار البحر الأحمر وسوميد.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن توقف الخط قد يستمر لأسابيع، ما يضغط على إمدادات الخام المتجهة إلى الأسواق، خاصة مع استمرار المخاطر في البحر الأحمر.

آسيا تدفع ثمن المسارات الأطول

المشكلة لا تتوقف عند السعودية.

فجزء كبير من خام ينبع كان يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولذلك فإن تغيير المسار يعني ارتفاع زمن الرحلة وتكاليف التأمين والشحن.

وبحسب تحليل نشرته الجزيرة، فإن تحويل شحنة من ينبع إلى كوريا الجنوبية عبر مسار يتجنب باب المندب يمكن أن يرفع مدة الرحلة من نحو 24 يومًا إلى حوالي 54 يومًا، بحسب المسار النهائي والظروف التشغيلية.

وهذا يفسر ارتفاع تكلفة الناقلات وزيادة الضغوط على المصافي الآسيوية التي تعتمد على الخام السعودي.

هل توقف النفط السعودي عن الوصول إلى الأسواق؟

الإجابة: لا، ولكن تكلفة وصوله ومخاطر نقله ارتفعت بصورة كبيرة.

فالبيانات لا تشير إلى توقف كامل للصادرات السعودية، وإنما إلى انخفاض في بعض المسارات، وتحويل شحنات إلى طرق بديلة، إلى جانب استخدام ناقلات تعمل أحيانًا دون تشغيل إشارات التتبع العلنية، وهو ما يجعل تقدير حجم التدفقات الفعلية أكثر صعوبة.

كما أظهرت بيانات حديثة أن حركة شحنات ينبع تحسنت في بداية سبتمبر مقارنة بأغسطس، قبل أن تضيف التطورات الجديدة المتعلقة بخط شرق–غرب طبقة أخرى من المخاطر على منظومة التصدير.

خلاصة الحدث 

المشهد النفطي السعودي أصبح أمام ثلاث حلقات ضغط متزامنة:

أولًا: تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما دفع ناقلات إلى تغيير مساراتها.

ثانيًا: استخدام مصر، خصوصًا سوميد وسيدي كرير، كجزء من مسار بديل لنقل الخام بعيدًا عن باب المندب.

ثالثًا: توقف خط شرق–غرب السعودي، وهو تطور يهدد أحد أهم البدائل التي كانت تسمح للسعودية بنقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.

وبذلك لم تعد المعركة مرتبطة بسفينة أو ناقلة بعينها، وإنما تحولت إلى معركة على خريطة طرق الطاقة نفسها.

ومع اقتراب الحوثيين من باب المندب وسيطرتهم على مدينة المخا ومناطق استراتيجية على الساحل الغربي لليمن، أصبحت قدرة السعودية على الحفاظ على انسيابية صادراتها النفطية أمام اختبار حقيقي، فيما باتت مصر وقناة السويس وخط سوميد جزءًا مهمًا من معادلة إعادة توجيه التجارة النفطية في المنطقة.

المعادلة الجديدة باختصار: كلما زاد الخطر جنوب البحر الأحمر، اتجه النفط شمالًا نحو مصر.. وكلما طال إغلاق المسارات البديلة، ارتفعت كلفة البرميل على المنتج والناقل والمستهلك معًا.

تعليقات