بقلم/ د. ندى الطوانسي
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال.
ليس لأنني لا أملك ما أقوله، وإنما لأن بعض القضايا، حين تقترب منها كثيرًا، يصبح الكلام عنها أصعب. تتردد في الكتابة لأنك لا تريد أن يتحول النقاش العام إلى مجرد دفاع عن فئة تنتمي إليها بشكل أو بآخر، أو أن تفقد القضية الأوسع معناها وسط التفاصيل الشخصية.
لكن هناك قضايا يصبح الصمت أمامها أكثر إزعاجًا من الكتابة عنها.
وقضية حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين واحدة من هذه القضايا.
سنوات من الدراسة والبحث والامتحانات والمناقشات للحصول على الماجستير والدكتوراه، وسنوات أخرى من الاجتهاد والمنافسة للوصول إلى المركز الأول على الدفعة. سنوات يضع فيها الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره في بناء علمه وتخصصه، وهو يتوقع أن يجد لهذا الطريق مكانًا في حياته العملية.
لكن بعد كل هذه السنوات، قد يجد نفسه أمام انتظار جديد، وسؤال بسيط في كلماته، لكنه ثقيل في معناه: ماذا بعد؟
ماذا يفعل بما تعلّمه؟ وأين يجد مكانًا يحوّل فيه سنوات الدراسة والبحث إلى عمل حقيقي، وخبرة، وإنتاج؟ أين يجد الطريق الذي يجعل كل هذه السنوات ذات معنى؟
وفي عام 2021، عاد هذا الملف إلى الواجهة بخطوة رسمية واضحة. ففي 18 أغسطس صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1974 لسنة 2021 بتشكيل لجنة وزارية لدراسة أوضاع حملة الماجستير والدكتوراه وبحث سبل الاستفادة منهم، خاصة من يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، إلى جانب بحث احتياجات مؤسسات الدولة والجامعات من التخصصات المختلفة. ونص القرار على أن تقدم اللجنة تقريرًا بنتائج أعمالها وتوصياتها وآليات تنفيذها خلال شهرين.
مرّ الشهران، ثم مرّت السنوات، وبقي السؤال قائمًا: ماذا انتهت إليه أعمال اللجنة؟ وهل أُنجز التقرير الذي نص عليه القرار؟ وإذا أُنجز، فما الذي تم بشأن توصياته؟ وإذا لم يتحول إلى خطوات تنفيذية، فما أسباب ذلك؟
وبعد ما يقارب خمس سنوات، ظل الملف حاضرًا في طلبات إحاطة برلمانية خلال 2026، تطالب بالكشف عن نتائج أعمال اللجنة وما تم بشأن القرار. وهذا وحده يكفي لطرح سؤال أكثر وضوحًا: أين انتهى هذا الملف، ولماذا لم يعرف أصحاب الشأن حتى الآن مسارهم بصورة واضحة؟
وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف تستفيد الدولة والمجتمع من هذه الكفاءات؟ فخلف كل رسالة علمية سنوات من البحث والمعرفة والنتائج والتوصيات، وخلف كل شهادة سنوات من عمر صاحبها. لكن قيمة كل ذلك لا ينبغي أن تنتهي عند شهادة تُعلّق على الحائط أو رسالة تُحفظ في مكتبة، بل أن تجد هذه المعرفة طريقها إلى العمل، ويجد صاحبها فرصة يستفيد فيها مما تعلّمه، ويستفيد المجتمع أيضًا من هذا العلم والخبرة.
لذلك فالقضية ليست مجرد وظيفة، وإنما كيف يتحول العلم الذي بُني على مدار سنوات إلى أثر حقيقي في المجتمع.
وإذا كان الحل الذي سيأتي بعد سنوات من الانتظار سيضع سقفًا عمريًا، فماذا عن السنوات التي ضاعت أصلًا بسبب هذا الانتظار؟ ومن يتحمل أثر مرور العمر على من ظلوا ينتظرون تنفيذ قرار أو إعلان نتيجة أو فتح باب؟
نحن لا نتحدث عن تحويل الشهادات إلى وظائف بلا معايير، ولا عن امتياز مفتوح لمجرد الحصول على درجة علمية أعلى. المطلوب هو أن يكون هناك مسار واضح وعادل، يراعي سنوات الدراسة والتخصص والإنجاز الأكاديمي، ولا يجعل الانتظار الطويل سببًا جديدًا لاستبعاد من انتظروا الحل.
لكن قبل أن نتحدث عن حجم المشكلة، هناك سؤال أكثر ضرورة: من بقي فعلًا في دائرة الانتظار؟
ولهذا نحتاج إلى إعادة حصر وتدقيق الكشوف بشكل رسمي، وبسقف زمني واضح، بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة؛ لاستبعاد الأسماء المكررة، ومن تم تعيينهم بالفعل، ومن تغيرت أوضاعهم المهنية، والحالات التي لم تعد ضمن نطاق الاستحقاق.
فالهدف ليس مجرد تقليل الأرقام، وإنما الوصول إلى العدد الحقيقي لمن لا يزالون بلا مسار مهني؛ حتى لا يؤدي عدم تحديث القوائم إلى تضخم عددي لا يعكس حجم المشكلة الفعلي، وحتى يمكن تحديد الاحتياج الحقيقي للدولة وبناء أي قرار على بيانات دقيقة. وهذا أكثر أهمية في ظل بدء حصر جامعي خلال 2026 لبيانات أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه.
ومن بين المقترحات المطروحة أن يخضع أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه للمسابقات العامة مثل غيرهم. لكن هل من العدل أن يعود من قضى سنوات في الدراسة والبحث والتخصص إلى منافسة عامة لا تراعي طبيعة هذا الطريق، وكأن كل ما قطعه فيه لا يُحتسب؟ سنوات من الجهد والتعب والسعي للحصول على درجة علمية أو تحقيق مركز متقدم، ثم يُطلب منه أن يبدأ من جديد من نقطة الصفر بحثًا عن فرصة للعمل!
في المقابل، يطالب حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين منذ سنوات بالتعيين المباشر، باعتباره المسار الذي يرونه أكثر ارتباطًا بطبيعة رحلتهم العلمية، وبما جرى مع دفعات سابقة. وقد أشارت حيثيات حكم لمجلس الدولة إلى تعيينات سابقة لأوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه امتدت حتى دفعة 2014، بينما خضعت دفعات 2015 وما بعدها لقواعد مختلفة في شغل الوظائف العامة.
وبالتالي، فالمطلب الذي يكرره أصحاب هذا الملف لا يختصر في مجرد الحصول على وظيفة، وإنما في أن يجد هذا العلم مكانه داخل مؤسسات الدولة، وأن تُستثمر هذه الكفاءات بدل أن تظل سنواتها معلقة في انتظار فرصة.
ولذلك فإن أي مسار يحتاج إلى قواعد معلنة ورقابة حقيقية تضمن تكافؤ الفرص، وتغلق الباب أمام أي تدخل غير مشروع في الاختيار أو التعيين.
وتتجاوز آثار هذه القضية أصحاب الشهادات الذين ينتظرون اليوم، لتصل إلى جيل جديد يراقب المشهد كله من هاتفه؛ يرى شخصًا أمضى سنوات في الدراسة حتى حصل على الدكتوراه، ثم لا يجد أمامه مسارًا واضحًا يعمل من خلاله بما تعلّمه، وفي المقابل يرى آخرين يصنعون حضورًا واسعًا على منصات التواصل، وقد تتحول المشاهدات والرعايات والهدايا الرقمية إلى مصدر دخل حقيقي.
المشكلة هنا ليست في نجاح صانع المحتوى، ولا في اختيار شاب طريقًا مختلفًا عن التعليم الأكاديمي. المشكلة في الرسالة التي قد يلتقطها الجيل الأصغر من هذا التناقض.
ماذا تقول لطفل أو شاب يفكر في استكمال دراسته، حين يرى أن سنوات الماجستير والدكتوراه قد تنتهي بصاحبها إلى ورقة تُعلّق على الحائط، بدل أن تكون علمًا وخبرة وفرصة يصنع بها شيئًا في حياته ومجتمعه؟
نحن لا نحتاج أن نقنع أبناءنا بأن العلم أهم من المال بالشعارات. نحتاج أن نريهم أن للعلم مكانًا حقيقيًا في الحياة.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في هذه القضية ليس فقط سنوات الذين حصلوا بالفعل على الماجستير والدكتوراه، وإنما السنوات التي قد يقرر جيل كامل ألا يستثمرها أصلًا في العلم، لأنه لم يعد يرى ما الذي ينتظره في نهايتها.
لذلك نريد إجابة واضحة:
ماذا ستفعل الدولة بهذه الكفاءات؟ ومتى؟ وكيف؟
لأن خلف كل رقم في قوائم الحصر إنسانًا مرّت سنوات من عمره وهو ينتظر؛ حلمًا تأجل، وإحباطًا قد يتراكم، ويأسًا قد يتسلل مع طول الانتظار، ووجعًا لا يظهر في الأوراق، وشعورًا بالظلم لا يمكن اختصاره في رقم أو اسم داخل كشف
فالعمر لا يتوقف حتى تنتهي اللجان من اجتماعاتها، والعلم الذي استغرق سنوات في بنائه يستحق أن يجد طريقًا إلى الحياة، لا أن ينتهي به المطاف في قائمة انتظار.

تعليقات
إرسال تعليق