كتب : سعيد سعده
انطلاقًا من حق كل إنسان في الحصول على رعاية صحية آمنة وعادلة ومتكاملة، وإيمانًا بأن جودة الرعاية الصحية ليست إجراءً مؤقتًا أو غاية تنتهي بالحصول على الاعتماد، وإنما هي ثقافة مؤسسية ومبدأ حاكم لكل مراحل رحلة الصحة والعلاج؛ اجتمع المشاركون في الملتقى الوطني لدعم الالتزام بمعايير جودة الرعاية الصحية بمحافظة الشرقية، بمشاركة ممثلي الجهات المهنية والتنظيمية والتنفيذية والأكاديمية، ومقدمي الخدمات الصحية، وبالتعاون مع الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR)، وبمشاركة بوابة مصر الطبية «شفائي».
وبعد استعراض التحديات التي تواجه منظومة الرعاية الصحية، ومناقشة سبل دعم المنشآت ومقدمي الخدمات، وتوظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وحماية حقوق المرضى والممارسين الصحيين؛ يعلن المشاركون المبادئ والتوجهات الآتية:
أولًا: الجودة مبدأ حاكم للرعاية الصحية
يؤكد المشاركون أن الالتزام بمعايير جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى يجب أن يكون مبدأً حاكمًا لكل صور الرعاية الصحية، بصرف النظر عن نوع المنشأة أو تبعيتها أو حجمها، وأن تمتد ثقافة الجودة إلى:
- الرعاية الوقائية والأولية والمتخصصة.
- المستشفيات والمراكز والعيادات والصيدليات والمختبرات ومراكز الأشعة.
- الرعاية المقدمة في المجتمع والمصانع والمدارس والجامعات والأندية ومراكز الشباب.
- الرعاية المنزلية والافتراضية وخدمات الطوارئ والإسعاف.
- جميع الإجراءات المهنية والإدارية والمالية المرتبطة برحلة المريض.
كما يؤكد المشاركون أن تطبيق الجودة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره عبئًا إداريًا أو تكلفة إضافية، وإنما استثمارًا في سلامة المرضى، وكفاءة التشغيل، وحماية الممارسين، وتعزيز الثقة، وزيادة القدرة التنافسية للمنشآت الصحية.
ثانيًا: دعوة وطنية إلى التكامل المعلوماتي
يدعو المشاركون جميع الجهات المعنية إلى التعاون من أجل بناء تكامل معلوماتي وطني يربط أطراف منظومة الصحة والعلاج، ويتيح تبادل المعلومات الصحية بصورة آمنة ومنضبطة، بما يسهم في:
- بناء ملف طبي إلكتروني موحد ومستمر لكل مواطن.
- تحقيق استمرارية الرعاية وعدم بدء رحلة المريض من جديد عند كل مقدم خدمة.
- تحسين سلامة القرارات الطبية وتقليل الازدواجية والأخطاء.
- دعم التخطيط الصحي على أسس معلوماتية دقيقة.
- التوزيع الأمثل للخدمات والمنشآت والكوادر الصحية.
- تعزيز قدرات الدولة في الوقاية والكشف المبكر والاستجابة للمخاطر الصحية.
- حوكمة الإجراءات الطبية والإدارية والمالية مع حماية الخصوصية وسرية البيانات.
ويجب أن يقوم هذا التكامل على معايير واضحة للتشغيل البيني، وحوكمة البيانات، وإدارة الصلاحيات والموافقات، والأمن السيبراني، مع بقاء القرار الطبي النهائي والمسؤولية المهنية في يد الممارس الصحي المرخص.
ثالثًا: استكمال الجهد مع النقابات الطبية والمهنية
يدعو المشاركون إلى استكمال الجهد المؤسسي بالتعاون مع النقابة العامة لأطباء مصر، واتحاد نقابات المهن الطبية، والنقابات العامة والفرعية للمهن الطبية؛ لترسيخ ثقافة الجودة بين أعضائها، ودعم التحول الرقمي للممارسات الصحية، وحماية الحقوق المهنية والقانونية والمالية للممارسين.
كما يدعو الإعلان إلى تطوير برامج مشتركة للتوعية والتدريب والتعليم المهني المستمر، وربط الهوية المهنية الرقمية للممارس بمؤهلاته وتراخيصه ونطاق ممارسته، بما يدعم سلامة المرضى ويحفظ مكانة الطبيب وجميع أعضاء الفريق الصحي.
رابعًا: بناء منظومة وطنية للرعاية الأولية والوقاية المبكرة
يؤكد المشاركون ضرورة إعادة بناء منظومة الرعاية الصحية حول الإنسان والطبيب، والانتقال من التركيز على علاج المرض بعد حدوثه إلى الوقاية المبكرة ومنع أسبابه واكتشاف مخاطره قبل تطوره.
وتقوم هذه المنظومة على شبكة مترابطة من نقاط الرعاية الأولية تبدأ من المجتمع وتمتد إلى:
- عيادة المصنع وصحة العاملين.
- العيادة المدرسية وصحة الطلاب.
- العيادة الجامعية وصحة الشباب.
- عيادة النادي ومراكز الشباب والصحة الرياضية.
- طبيب الأسرة والممارس العام.
- الرعاية المنزلية والافتراضية.
- برامج الأمومة والطفولة وكبار السن والأمراض المزمنة.
وتتكامل هذه النقاط من خلال ملف طبي إلكتروني موحد، ومسارات إحالة واضحة، وبرامج للكشف المبكر والتطعيم والتثقيف الصحي ومتابعة الأمراض المزمنة والمخاطر المهنية والبيئية.
خامسًا: دعوة الوزارات والجهات الوطنية للتعاون
يدعو المشاركون وزارات الصحة والسكان، والعمل، والصناعة، والتخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى المساهمة في بناء هذه المنظومة المتكاملة.
كما يدعو الإعلان المجلس الصحي المصري إلى دعم التكامل المهني والعلمي، والتعليم الطبي المستمر، والهوية المهنية الرقمية، ونظم الصلاحيات والتدريب والتطوير المستمر للكوادر الصحية.
ويؤكد المشاركون أهمية إشراك الجهات المعنية بالتأمين الصحي والرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية والبيئة والصناعة والمجتمع المدني؛ تحقيقًا لمفهوم الصحة في جميع السياسات، وترسيخًا لمنهجية «الصحة الواحدة» التي تربط صحة الإنسان بصحة المجتمع والعمل والبيئة.
سادسًا: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان والطبيب
يدعو الإعلان إلى توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وآمنة في:
- توجيه المواطن إلى مستوى الرعاية والخدمة الطبية المناسبة.
- اكتشاف علامات الخطر ودعم الإحالة المبكرة.
- مساندة الطبيب بنظم دعم القرار السريري والمراجع الموثوقة.
- تقليل الأخطاء الدوائية والتداخلات والمخاطر القابلة للمنع.
- تحسين جودة التوثيق والترميز والمطالبات الطبية.
- تحليل البيانات الصحية المجهلة لدعم التخطيط والوقاية وصنع السياسات.
ويؤكد المشاركون أن الذكاء الاصطناعي أداة لمساندة الطبيب وليس بديلًا عنه، وأن استخدامه يجب أن يخضع لضوابط أخلاقية ومهنية وتنظيمية تضمن الشفافية والمساءلة وحماية البيانات.
سابعًا: حماية الحقوق المالية لمقدمي الخدمات
يدعو المشاركون الاتحاد المصري لشركات التأمين، والهيئة العامة للرقابة المالية، وشركات التأمين، ومديري خدمات الرعاية الصحية، وجهات التمويل والتأمين الصحي إلى توفير مناخ تعاقدي ومالي يشجع مقدمي الخدمات على الالتزام بمعايير الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية.
ويشمل ذلك:
- وضوح العقود والأسعار والالتزامات المتبادلة.
- وضع مدد محددة لمراجعة المطالبات وتسويتها وسدادها.
- منع الخصومات أو الرفض غير المسبب.
- إعلان أسباب رفض المطالبات وإتاحة التظلم وإعادة المراجعة.
- اعتماد معايير موحدة لجودة المطالبات الطبية.
- ربط استحقاق السداد بجودة التوثيق واستيفاء المتطلبات المتفق عليها.
- دراسة أدوات مالية وتأمينية ومصرفية تضمن سداد المطالبات المستوفاة، تحت الأطر الرقابية والقانونية المختصة.
ويؤكد الإعلان أن الالتزام بمعايير الجودة يجب أن يقابله تحفيز حقيقي، من خلال منح المنشآت الملتزمة أولوية في التعاقد، وتوسيع شبكات الإحالة إليها، وزيادة قدرتها على جذب العملاء، وتحسين استدامتها وزيادة إيراداتها.
ثامنًا: دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة
يدعو المشاركون إلى إطلاق برامج عملية وميسرة لمساعدة المنشآت الصحية الصغيرة والمتوسطة على التحول الرقمي، وفهم متطلبات الجودة، وتحسين التوثيق وسلامة المرضى وحوكمة الإجراءات.
على أن يتم ذلك تحت المرجعية الحصرية لمعايير الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، ودون الخلط بين الدعم التكنولوجي والتنموي وبين أعمال التقييم أو منح الاعتماد التي تظل من اختصاص الهيئة وحدها.
تاسعًا: دور بوابة مصر الطبية «شفائي»
يدعو المشاركون إلى الاستفادة من بوابة مصر الطبية «شفائي» باعتبارها بنية رقمية تنموية تتيح الربط بين المواطن والطبيب والمنشأة الصحية والجهات المهنية والتنظيمية والممولة للخدمة.
وتسهم «شفائي» في:
- بناء الملف الطبي الإلكتروني الموحد.
- رقمنة رحلة المريض ومسارات الإحالة.
- دعم التوثيق والحوكمة وسلامة الإجراءات.
- توفير نظم مساندة القرار السريري.
- تحسين دورة المطالبات الطبية.
- ربط الرعاية المجتمعية بعيادات المصانع والمدارس والأندية.
- مساعدة مقدمي الخدمات على التحول الرقمي والالتزام المستمر بالجودة.
ولا تمارس «شفائي» أعمال التقييم أو منح الاعتماد، وإنما تعمل بوصفها شريكًا تقنيًا وتمكينيًا، مع الالتزام الكامل باختصاصات الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية.
عاشرًا: تدويل معايير الجودة والنموذج المصري
يدعو المشاركون إلى العمل المشترك بين الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية وبوابة مصر الطبية «شفائي» والجهات الوطنية المعنية؛ للتعريف دوليًا بالمنظومة المصرية للجودة والاعتماد، ودراسة فرص نقل وتصدير الخبرة المصرية في التحول الرقمي وحوكمة الرعاية الصحية.
ويشمل ذلك تطوير نموذج تقني قابل للتطبيق خارج مصر، يدعم استخدام معايير GAHAR في الدول والمؤسسات الراغبة، وفق القوانين والاتفاقيات والموافقات الرسمية، وبما يحفظ للهيئة اختصاصها الكامل وملكيتها العلمية والتنظيمية للمعايير وقرارات التقييم والاعتماد.
ويطمح المشاركون إلى أن يصبح النموذج المصري للجودة والاعتماد والتحول الرقمي منتجًا وطنيًا قابلًا للتدويل، يعزز مكانة مصر الإقليمية والدولية، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار وتصدير المعرفة والخدمات الصحية والتكنولوجية.
حادي عشر: آلية متابعة إعلان الشرقية
يوصي المشاركون بما يأتي:
1. تشكيل مجموعة عمل تنسيقية لمتابعة تنفيذ مبادئ «إعلان الشرقية».
2. إعداد خريطة بالمنشآت الراغبة في التحول الرقمي وتعزيز التزامها بمعايير الجودة.
3. إطلاق مشروع تجريبي بمحافظة الشرقية لربط عدد من المنشآت ومقدمي الخدمات عبر «شفائي».
4. وضع تصور موحد لتحسين جودة المطالبات وضمان حقوق مقدمي الخدمة.
5. تطوير برامج توعية وتدريب بالتعاون مع النقابات والجهات المعنية.
6. إصدار تقرير دوري لقياس ما تحقق من توصيات الإعلان.
7. دعوة الجهات التنظيمية والتنفيذية والمهنية والمالية إلى الانضمام إلى المبادرة كلٌّ في نطاق اختصاصه.
الختام
إن «إعلان الشرقية» ليس نهايةً للملتقى، بل بداية لمسار وطني مفتوح للتعاون، يقوم على أن صحة الإنسان مسؤولية مشتركة، وأن الطبيب هو محور إعادة تنظيم المنظومة، وأن الوقاية والجودة والتكنولوجيا والتكامل المعلوماتي ركائز لا تنفصل عن بعضها.
ويدعو المشاركون جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجهات المهنية والأكاديمية والمالية إلى توحيد الجهود من أجل منظومة صحية مصرية أكثر أمانًا وعدلًا وكفاءة واستدامة؛ تحفظ حق المريض، وتصون مكانة مقدم الخدمة، وتجعل الجودة ممارسة يومية، وتقدم للعالم نموذجًا مصريًا متكاملًا للرعاية الصحية.
صدر عن المشاركين في الملتقى الوطني لدعم الالتزام بمعايير جودة الرعاية الصحية

تعليقات
إرسال تعليق